والتشكيك هو تاليف قياسين ينتجان نتيجتين متقابلتين . وانما يكون ذلك بان يشتركا في المقدمة الصغرى ، ويتقابلا في الكبرى . والسبب في ذلك أنه لا يمتنع ان يكون في المشهورات الكلية مقدمات كاذبة بالجزء يخفى كذبها ، لان شهرة كلّيّاتها اعني شهرة وجود محمولها لجميع موضوعها ، يجعل الجزء الكاذب منها في ان يصدّق به ، ويقبل ، ويستعمل مثل الجزء الصادق منها . فلذلك صارت شهرته تغمره مع الجزء الصادق منها ، ولا يشعر بكذبه .
فان شأن الانسان في أول امره انه متى رأى المقدمة صادقة وموجودة في أشياء كثيرة ، ولم يعلم في اى شئ ليست كذلك ؛ اخذ كليّة على الاطلاق . فلذلك يمكن ان يعاند كثير من المشهورات عنادا صحيحا ، ولا يبطل بالعناد شهرة كليتها . بل انما يبطل صدق كلّيّتها فقط ، إذ لم يكن مشهورة من حيث هي صادقة . [ ب 193 پ ] فإذا كان كذلك ؛ كانت مقابلاتها التي تضادها صادقة فيما كذبت فيه وكاذبة فيما صدقت فيه . فإذا كانت هذه المتقابلات مشهورة أيضا ، صودفت مقدمتان مشهورتان كلّيّتان .
فإذا استعملت أمثال هذه المشهورات مقدمات في قياسات على مطلوبات واحدة بأعيانها ، أنتجت نتائج متقابلة ، على مثال المقدمات التي عنها لزمت .
فالناظرون في الأمور إذا فحصوا عنها بالمقدمات المشهورة من هي مشهورة ، اقتصرت بهم في آرائهم الّتي يستنبطونها على الظّنون دون اليقين . وإذا اتّفق ان استعمل كل واحد منهم مقابل ما استعملها الاخر ، ولم يشعر ولا واحد منهم بالجزء الكاذب من كل واحد منهما ؛ اختلفت آرائهم في الشئ الواحد . وإذا استعمل الانسان الواحد منهم في وقت ما مقابل ما استعمله في وقت آخر ، انتقل من رأى إلى رأى آخر مرارا كثيرة . وإذا استعملها كلها في وقت واحد ، وكانت قوّتها عنده واحدة ؛ كسبته حيرة وتوقّفا .
والناظرون في الأمور الذين يلتمسون فيها الصدق من هذه الجهات ، يلزم ان
المنطقيات للفارابي — صفحة 367
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٦٧