تكون برهانية ما كانت المسألة فيه بالقياس . والمسألة بالمقدّمات يلزم ضرورة ألا تكون بجزئى التناقض [ ب 185 ر ] ، كما هي في الجدل ، لكن نأخذ أحد جزئي التضاد على التحصيل .
مثال ذلك أنّا متى أردنا أن نسأل في الأشياء المساوية لشئ واحد : هل هي متساوية أم لا ؟ فانّا لا نسأل : هل كل الأشياء المساوية لشئ واحد متساوية ؟ لكنّا نقول :
أليس كلّ الأشياء المساوية لشئ واحد متساوية ؟
ومتى أردنا أن نجمع بين جزئي التقابل عند الامتحان ، جمعنا بين جزئي التّضاد ، لا بين جزئي التناقض . فانّا نقول : هل كلّ الأشياء المساوية لشئ واحد متساوية أم لا ؟ ولا واحد من الأشياء المساوية لشئ واحد متساوية . فحينئذ تكون المسألة بالمتقابلين برهانية ، أما هذه فامتحانية ، وأما الأولى فعنادية .
والجهات التي منها يقع الغلط في العلوم مختلفة ، وقد أحصينا الجهات التي منها يقع الغلط [ ح 83 پ ] في الجملة .
فالتعاليم ليس يقع الغلط فيها من كل الجهات ، ولا سيّما العدد والهندسة . وأما العلم الطبيعي وما جانسه ، فان الغلط يقع فيه من كل جهات الغلط . وبالجملة فانّ كلّ علم اشتمل على موجودات ، كان الذهن يتصوّرها بنحو قريب من ادراك الحسّ لها ، لم يكد يقع فيها غلط بسبب الألفاظ ، ولا مغالطة بهذه الجهة .
مثال ذلك في الهندسة : هل الدائرة شكل ؟ فمن البيّن أن المهندس يتسلّمها ويرتسم له الدائرة في نفسه قريبة الحال من المحسوس . وإذا سئل : هل الأقاويل الموزونة شكل أو هي دائرة ؟ فمن البيّن أنه لا يسلّمها ، بل ينبو ذهنه عنها .
وأمّا ما كان من التعاليم أقرب إلى [ ب 185 پ ] العلم الطبيعي ، فإنها أحرى أن تكثر فيها الجهات التي من قبلها يغلط . مثال ذلك علم المناظر وعلم الأثقال وعلم التأليف . وأما الغلط في أشكال المقاييس ، فإنه لا يكاد يقع في العلوم الانتزاعيّة ، وقد يقع في العلم الطبيعي . وأكثر ذلك انما يقع في الأشياء الجدلية .
المنطقيات للفارابي — صفحة 345
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٤٥