تكون مما يمكن أن تتبيّن في تلك الصناعة بأشياء متأخرة تطول [ ح 82 پ ] أو تعسر على المتعلم ، فيترك بيانها إلى وقت آخر . وقد يمكن أن تستعمل ما شأنها أن تكون يقينيّة أوضاعا متى لم يكن المتعلم يعترف بها لأحد تلك الأسباب التي ذكرناها .
وأمثال هذه ليست هي أوضاعا على الاطلاق ، لكن هي أوضاع بالقياس إلى ذلك المتعلّم فقط .
ومن الصنائع ما لا تستعمل فيها الأوضاع ، لكن انما تستعمل فيها اليقينيّة وحدها ، ومنها ما يستعمل فيها الأمران جميعا . وكثير من هذه يصرّح بها في الصنائع ، وكثير منها لا يصرّح بها ، بل انّما تستعمل قوّتها فقط .
ولنقل الآن في العناد البرهاني . وهذه المخاطبة انما يخاطب بها من لا علم عنده بالشيء على طريق العدم . وهذا النحو من الجهل بالشيء هو الجهل الذي لا يشعر به أنه جهل ، لكن يظنّ به أنه علم ، وهو اعتقاد الشئ على غير ما هو عليه في الوجود .
وذلك أن يعتقد سلب ما هو في وجوده موجب ، ويعتقد ايجاب ما هو في وجوده سالب ، وهو الجهل الذي يسمّى الجهل على طريق الايجاب .
وأمّا الصنف الأخر الذي يشعر به ، فهو يسمّى الجهل على جهة السلب ، وذلك يكون اما أن لا يتصوّر الانسان شيئا من جزئي حكم ما لا المحمول ولا موضوعه ، وايا ان لا يتصوّر جزأيه ولا يعتقد فيه لا الايجاب ولا السلب . ومن جهل هذا الجهل ، فهو الذي مخاطبته تعليم . ومن جهل النحو الآخر من الجهل ، فهو الذي يقال له انه أخطأ أو غلط ، ومخاطبته مخاطبة عناد .
والغلط قد يكون [ ب 183 پ ] في مبادئ الصناعات ، وقد يكون فيما بعد المبادي . وهو في كل واحد منها امّا توهّم مطلق لا عن قياس ، وامّا توهّم عن قياس .
وقد قلنا في ما سلف في الأشياء المغلطة .
فالمغلّطات منها ذاتيّة ومنها غير ذاتيّة و . المغلّطات غير الذاتيّة ليس يمكن صاحب صناعة أن ينظر فيها عن طريق ما هو كذلك ، فانّ الأشياء المغلّطة غير الذاتيّة في الهندسة ليس يمكن أن ينظر فيها المهندس بما هو مهندس .
المنطقيات للفارابي — صفحة 342
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٤٢