ما هي عليها ، ومنها ما يستعمل قوّتها في أمر أمر ، مثل قولنا : كل نقيضين صدق أحدهما ، كذب الآخر ، وكلّ شئ امّا أن تصدق عليه الموجبة أو السالبة . فانّ هذه وما أشبهها ليست تستعمل بما هي كليّة مدلول عليها بهذه ألفاظ العامّة ، بل انّما تستعمل جزئيّة في أمر أمر .
فلذلك صار كثير من هذه المقدّمات بحيث يمكن أن لا يعترف بها الوارد على الصناعة ، إذا أذكر بها على عمومها ، إذ كان انما عرف من هذه المقدّمة قوّتها التي تستعمل في الأمور التي عاناها إلى ذلك الوقت . فإنه لمّا لم يكن كلّ انسان يزاول كل شئ ، كان الحاصل عند كلّ انسان من أمثال هذه المقدّمات الواجب قبولها قوّتها التي تستعمل في الأمر الذي يزاوله فقط .
وهذه التي تسمى الواجب قبولها ، فقد يمكن أن لا يعترف بها المتعلّم لأسباب :
منها كذبه بلسانه على ما يجده في نفسه من التصديق بها ، ومنها أن [ ب 181 پ ] يكون في فطرته نقص يعوقه عن أن يصيّر تلك المقدّمات يقينيّة له ، أو يكون المتعلّم لم يبلغ بعد أن تصير عنده يقينية ، فإنه يشبه أن يكون كثير منها انما تصير يقينيّة في زمان .
ومنها أن يتزيّف عند المتعلم كثير منها آراء مقبولة أو مشهورة سبق اعتقاده لها قبل وروده على الصائع النظرية .
ومنها أن لا يعترف بعمومها للسبب الذي ذكرناه .
ومنها أن لا يتصوّر الانسان بذهنه معنى اللفظ الذي به وقعت العبارة عن المقدّمة ، فان كثيرا تحصل يقينيّة في ذهن الانسان ، غير أنه لا يدرى أن المعبّر عنه بهذا للفظ هو ذلك المعنى الذي تيقّن به ، حتى إذا صوّر عنده معنى اللفظ وفهمه وعلم أن هذا هو ذلك بعينه ، اعترف به .
فلذلك ينبغي أن تستعمل اليقينيّة التي هي أوائل الصناعات عند الذين بهم
المنطقيات للفارابي — صفحة 339
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٣٩