تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
والتي بحسب قوم دون قوم وأهل زمان دون أهل زمان ، فهي التي هي أعرف عندهم خاصّة . فان المشهورات ربما كانت مشهورة في قوم دون قوم ، وفي زمان دون زمان ، فتؤخذ تلك في تعليم أولئك دون غيرهم . فان آراء الجمهور قد تختلف في الأزمنة ، ليس في العملية فقط ، لكن وفي [ ب 179 پ ] الأشياء النظرية أيضا . وذلك إذا كان المدبر لهم رأى الأصلح لهم في وقت أن يستودع فيهم صنفا من العلوم والآراء ، وكان الذي أخذهم به من السنن والرسوم يلزم عنه صنفا ما من الآراء في الأمور النظرية ، وصار ذلك الصنف من الآراء هي المشهورة عندهم . وكذلك إذا كان المستودع فيهم صنفا [ ح 81 ر ] من الأمور والآراء ، وكان شأنها أن تخيل الأمور نحوا من التخيل ، فتعوّدت الأذهان ذلك النحو من التخيل وصار تصوّرها للأشياء كلها ذلك النحو من التخيل . فإذا كانت المبادي اليقينية في صناعة ما يعسر تخيّل السامع لها على الاستقصاء ، أو يعسر عليه تخليصها من سائر ما عنده من المشهورات ، أو احتيج إلى زمان طويل في تفهّمها ، ووجد في المبادي المقبولة عنده أو المشهورة ما يوقع له التصديق أو التصوّر ؛ أخذت تلك المبادى في تعليمه إلى أن يقوى ذهنه على تخليص المبادي اليقينية . ولذلك صار كثير ممّا يأخذه أرسطوطاليس في كثير من كتبه عند تعليم الأمور المقصودة في تلك الكتب يعسر به فهم تلك الأمور في هذا الزمان وعند أهل هذه البلدان وأهل هذا اللسان . فان كثيرا من أصناف الألفاظ التي يجعلها علامات ومعرّفات لأشياء ممّا في كتبه على أنها مشهورة عند أهل لسانه ، ليس يوجد ذلك الصنف من الألفاظ عند أهل لساننا نحن دالا على ذلك الصنف من المعاني . مثل ما قاله في كتابه « في المقولات » : « وذوات الكيفيّة هي التي تقال على طريق المشتقة أسماؤها أو على طريق آخر » . ثم قال : « وذلك كما يقال من الفضيلة مجتهد » ، فانّ هذا غير [ ب 180 ر ] موجود في لساننا ، بل انما يقال في كل شئ منه على طريق المشتقة أسماؤها . فإنه يقال في اللسان العربي من الفضيلة فاضل لا مجتهد .