وإذا كانت هذه المخاطبة انما تفهم الأمر مطلوب تفهيما أزيد ، متى فهم ذلك المعنى المدلول عليه باللفظ الزائد ؛ وكان ذلك هو الذي يوقع التصوّر المطلوب ، فإنه يلزم اذن ضرورة أن يكون كلّ تعليم يقصد به تصوّر شئ أن يكون ذلك عن علم آخر سابق تقدّم وجوده للمتعلمين ، فاعل للتصور المطلوب ، سوى العلم الذي يتواطأ به الأمر لأن يصير مطلوبا .
ويلزم أيضا أن يكون الأمر الذي علم من قبل فتصوّر عنه الشئ المطلوب أمرا ، إذا فهم لزم ضرورة أن يفهم المقصود . وليس يمكن ذلك أو يكون في طباع ذلك الأمر ، إذا علم ، أن يعلم المطلوب ؛ والا كان فهمنا المطلوب عنه بالعرض لا بالذات ، وليس يمكن ذلك أو يكون بينه وبين المطلوب نسبة ذاتية .
ولتؤخذ أجزاء أصناف النسب الذاتية التي بين اثنين مفردين ، وذلك ، اما محمول أو شبيه أو غير ذلك . وظاهر أن أتمّها نسية وأحراها أن تكون ذاتيّة وأشدّها ضروريّة هو أتمّ تعريفا لذلك الشئ ، ثمّ كل واحد منها بحسب مرتبته من كمال النسب الذاتية ونقصانها . وظاهر أن [ ب 178 ر ] أحراها بهذه الحال واتمّها أن يكون ذلك الأمر هو ذلك الشئ بوجه ما . فإنه ان كان شيئا واحدا من كلّ الوجوه ، ولم يكن هناك غيرية أصلا ؛ لم تفد معرفة أخرى ، امّا أزيد وامّا أنقص .
فينبغي أن نفصّل اذن على كم جهة يكون ذلك الأمر هو الشئ ، وأحراها بهذه الصفة هو أكملها تعريفا لا محالة . فإذا جرى في أمرها هذا المجرى وتقصّى ، حصلت المفهمات التي عددناها في هذا الكتاب وفي كتاب « المدخل » .
وينبغي أن نفحص مثل هذا الفحص بعينه في التصديق . الذي يقع به التصديق منه ما المخاطبة فيه بلفظ يقتصر به على الأمر الذي يطلب ايقاع التصديق به فقط .
فما كان هكذا ، فان الذي عنه يقع التصديق ليس هو المخاطبة وحدها ، لكن وحال القائل أيضا . وهذه الحال ينبغي أن تكون معلومة عند السامع قبل ذلك .
وبأمثال هذه المخاطبات تكون التعليمات التي تسمّى التقليدية . وليس قصدنا
المنطقيات للفارابي — صفحة 333
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٣٣