والتصوّر السابق يكون فيما يطلب تصوره وفيما يطلب وجوده . والتصديق غير المحصّل المتقدّم على التصديق المطلوب ليس هو المعرفة الفاعلة للمعرفة المطلوبة ، لكن معرفة بها يتواطؤ الأمر ، لأن يعرف معرفة أخرى غير الأولى ، وهي المعرفة التي بها يمكن أن يصير مطلوبا .
وأما هل يلزم أن تكون هنا معرفة أخرى سابقة هي الفاعلة في ذلك الأمر المطلوب المنتظرة ، فإنه ينبغي أن يفحص عنه :
فنقول أولا : انه خليق أن لا يكون الالهام والاخطار بالبال ، وأن ينشأ في ذهن الانسان معرفة زائدة على معرفة قد سبقت تسمّى تعليما . وذلك بمنزلة ما يعتقد قوم أن ذلك بفعل ما الهى . فإن كان ذلك أيضا يسمّى تعليما ، فليس ذلك الصنف من التعليم [ الذي ] ، نتكلّم فيه الآن . فلنخلّ هذا لمن تفلسف الفلسفة الخارجة عمّا يمكن أن يفعله انسان .
بل انما نقول حيننا هذا في التعليم الانساني الداخل في الفلسفة التي تشتمل على المعقولات الانسانية ، وهي التي يقول فيها سقراط عند احتجاجه على رؤساء أهل مدينة أثينة : « يا قوم انى لست أقول أن حكمتكم هذه الإلهية أمر باطل ، ولكني . أقول :
لست أحسنها . وانما أقول : انّى حكيم بحكمة انسانية » وهذا التعليم الذي كلامنا فيه هو التعليم الذي يكون بمخاطبة انسانية .
فنقول : ان التعليم الذي يقصد به التفهيم لشئ هو مخاطبة يقع في أمر مفروض تصوّر لم يكن قبل . وهذه المخاطبة ان كانت بلفظ يفهم عنه الشئ الذي قد كان [ ح 80 ر ] من المطلوبات [ ب 177 پ ] متصوّرا ، من حيث هو مطلوب ، فليس يقع به فهم غير الأول بل يكون تكريرا للأول .
فلذلك ينبغي أن تكون هذه المخاطبة بلفظ آخر ولفظ زائد على الأول . ويلزم أن يكون ذلك اللفظ مفهوم المعنى متواطئا عليه القائل والسامع جميعا قبل هذه المخاطبة . فاذن ينبغي أن يكون ذلك المفهوم عن ذلك اللفظ معلوما عندهما جميعا قبل المخاطبة .
المنطقيات للفارابي — صفحة 332
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٣٢