ومن المخاطبة صنف يقصد به أن يحصل في ذهن السامع معرفة لم تكن له من قبل ، لا بالفعل التّام ولا بالقوّة القريبة . [ ح 79 ر ] والتعليم داخل في هذه المخاطبة .
وقد تشكّك مانن حتّى استعمل قياسا يلزم عنه ضرورة أن يكون الشئ الذي يقصد تعريفه بالتعليم قد حصلت للمتعلّم به معرفة من قبل أن يتعلّمه بوجه ما ، وأن يكون قد جهله بوجه آخر .
وتشكّك مانن هو هذا ، وهو أن كلّ متعلّم شيئا ، فهو امّا يعلمه أو يجهله .
فإن كان يعلمه ، فلا حاجة به إلى أن يستأنف استعلام ما قد علمه ؛ وان كان يجهله ، فكيف يطلب ما لا يعرفه مع ذلك ؟ فان اتفق له أن يصيبه ، لم يدر أن الذي [ ب 175 پ ] أصابه هو الذي كان يطلبه من قبل . ومتى أعطى كل واحد من طرفي هذا التشكيك قسطه ؛ لزم أن يكون المتعلّم يعلم الشئ الذي يتعلمه من جهة ، ويجهله من جهة أخرى .
والجهل بالشيء صنفان : أحدهما جهل يشعر به أنه جهل ، وجهل يظنّ به أنه علم . والتعليم هو مخاطبة يراد بها معرفة شئ قد كان يجهل من قبل الجهل الذي يشعر به أنه جهل ، ويلزم أن يكون ذلك الشئ بعينه قد علمه المتعلّم بوجه ما .
والمعرفة منها تصوّر ومنها تصديق .
فإن كان يقصد بالتعليم تصوّر شئ ، فينبغي أن يكون ذلك الشئ قد تصوّر قبل ذلك تصوّرا ما وجهل له خيال آخر .
والذي يقصد ايقاع التصديق به ، فهو يلزم فيه أن يكون قد صدّق به من قبل تصديقا ما ، فان تشكّك مانن لم يفصل فيه بين التصوّر وبين التصديق ، والذي يلزم ضرورة فيما يقصد ايقاع التصديق به أن يكون قد تصوّر .
وقد يظنّ أنه ليس كلّ ما قصد تصوّره يلزم أن يكون قد تصوّر من قبل ، وذلك أنّا إذا جهلنا معنى اسم ما ، فأردنا أن نتصوّر المعنى الذي يدلّ عليه ذلك الاسم ،
المنطقيات للفارابي — صفحة 329
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٢٩