يوجد فيها الآخر . فلذلك ليس واحد ممّا ينسب إلى العملي على هذا النحو عمليا على الحقيقة : لكن نظريا فقط .
والصناعة العملية منها معارفها حاصلة عن التجربة فقط ، ومنها ما ليس يكتفى فيها بالتجربة دون أن يوجد لها مبادى أخر ، وذلك مثل الطب . ولما كان في العلوم النظرية علوم تشتمل على موجودات أشخاصها توجد بالصناعة ، وكانت الصناعة التي عنها تحصل تلك الأعيان تلتئم بالتجربة ؛ صار كثير من الصناعات العملية تعطى مبادى في كثير من العلوم النظرية . ولذلك صارت صناعة الطب نافعة في العلم الطبيعي ، وكذلك الفلاحة ، وصارت الملاحة نافعة في أحكام النجوم ، وتجارب أصحاب الموسيقى العملية نافعة في الموسيقى النظرية .
وأمّا أي هذه الصنائع متقدّم بالزمان وأيها متأخّر ، فانّه يتبيّن في كثير منها أن التجريبيّة متقدّمة للنظرية منها . وفي كثير منها يتبيّن أن النظرية متقدّمة للعملية ، مثل الحيل النجومية ، فان علم النجوم النظري يلزم أن يتقدّمها . وفي كثير منها يقع الشك وتحتمل الأمرين جميعا ، ولذلك قد يشك في شئ شئ ممّا تشتمل عليه الصنائع : هل يكتفى فيه بالتجربة وحدها ، أم يحتاج فيه مع التجربة إلى مبادى قياسية ؟ [ ب 174 ر ] وكثير منها يتبيّن فيه أن الصناعتين جميعا متعاونتان . أما التجريبية فمعينة للأخرى بالتجربة فيما لا يكتفى فيه بالقياس ، والأخرى معينة لهذه فيما لا تبلغ التجربة فيه الكفاية . مثال ذلك الطب والعلم الطبيعي .
وهذا المقدار من القول كاف في الصنائع بحسب الغرض هاهنا . وأما تفصيلها صناعة صناعة والنظر في الكفاية في واحدة واحدة منها ، فلنخل عنه لمن قصد النظر في الصنائع نفسها . فان الكافي في الهندسة خاصة انما يعلمه المهندس ، وكذلك سائرها .
المنطقيات للفارابي — صفحة 326
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٢٦