تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
وهذا المقدار خاصّة انّما يحدث بمزاولة أعمال الصناعة فقط ، لا عن تعليم بقول . والنطق عنه أن يشعر به وتكون قوّة تصوّره له بمقدار ما يمكنه أن يعبّر عنه . وكثير من هذه الصنائع يلتئم بالتجربة وحدها . وكثير منها ليس يكتفى فيها بالتجربة وحدها ؛ غير أن معارف هذه الصناعة مقرونة باستعداد نحو العمل ، نطق عنها أو لم ينطق ، كانت حاصلة بالتجربة أو عن قياس . وهذا هو الفرق بين المعارف النظرية والمعارف العملية ، فان النظرية ليست مقرونة باستعداد نحو العمل الا بالعرض . غير أن الانسان إذا بلغ في العملية إلى أن ينطق عنها ، أمكنه أن يعمّ بقول ؛ ومتى لم يبلغ ذلك ، كان تعليمه باحتداء فقط . وأما الصنائع النظرية ، فان معارفها كلّها ينبغي أن تكون بحيث ينطق عنها ، وتكون غير معدّة نحو العمل . وهذه الصنائع تتفاضل في مقادير التصوّرات ، فان لكلّ صناعة منها مقدارا ما من التصوّر ، ونحوا ما بحسب الغاية في ذلك العلم ، ولا سيّما في [ ب 172 ر ] تصوّر الأشياء التي تشترك في الفحص عنها والنظر فيها ، مثل مشاركة التعاليم للعلم الطبيعي في الأطوال والأجسام ، فان كلّ واحد منهما يتخيّل فيه الشئ الواحد بعينه بنحو مخالف للنحو الآخر . وقد وصفنا فيما قبل أصناف [ ح 77 پ ] التخيلات والتصوّرات . ولذلك ينبغي أن لا نقتصر على أن نرتاض في نحو واحد من التخيّل ، بل نرتاض في أنحائه كلّها ، فانّ كلّ نحو منها يحتاج اليه في صناعة ما . ولذلك صار كثير من الناس إذا ارتاضوا في التعاليم من غير أن يكون لهم ، اما بالطبع واما بالعادة ، قوّة على تصريف أذهانهم في أصناف التصوّرات ، ضعفوا عن العلم الطبيعي ، فكذلك المرتاضون في العلم الطبيعي ممن سبيله هذا السيل يضعفون عن التعاليم . والاستقصاء في كل واحد من العلوم هو على قدر الكفاية في ذلك العلم . وتحرّى الكفاية من المعرفة في علم علم هو في التصوّر فقط . وأمّا التصديق فإنه ينبغي أن يبلغ في كلّ شئ منه اليقين التّام الذي حدّدناه .
المنطقيات للفارابي — صفحة 323 | أبو نصر الفارابي