وأما العلوم التي تنسب إلى الأمرين جميعا ، فانّ منها ما ينسب بالذات ، وهي في الحقيقة كذلك ، ومنها ما هي كذلك بالعرض وبحسب الظنّ . وما هو بالذات [ ب 173 ر ] فمثل الطّب ، فانّه يقال فيه انه صناعة عملية وعلمية .
وانما قيل ذلك في الطّب [ ح 78 ر ] وما جانسه ، ولم يقل في صناعة النجارة ، من قبل أن هذه الصنائع يكتفى فيها بالتجربة وحدها ، ويكتفى فيها بأن يكون الانسان بحيث لا ينطق عمّا ارتسم في نفسه منها . وأمّا الطّب وما جانسه ، فليس يكتفى فيه بالتجربة وحدها ، ولا أن يبلغ في معارفة هذا المبلغ ، بل يحتاج فيه إلى مبادئ قياسية ومقدّمات مأخوذة عن علوم أخر ، غير أن ما فيه من العلم أيضا انما يعدّ نحو العمل .
وأمّا ما هو كذلك بالعرض وبحسب الظنّ ، فهو على وجوه :
منها أن تكون صناعة عملية فقط ، تشتمل على أشياء تنظر بمقدار كاف في العمل ، وتكون صناعة أخرى نظرية تنظر في تلك الأشياء بأعيانها . فانّ النظرية منها يظنّ بها أنها عملية وعلميّة ، مثل العلم الطبيعي والطّب . فانّ الطب ينظر في أشياء طبيعية بمقدار الكفاية في العمل ، فيظنّ لذلك بالعلم الطبيعي أنه نظري وعملي .
ومنها أن يكون ما تشتمل عليه صناعة ما نظرية توجد أشخاصه بالصناعة ، وذلك مثل كثير من علم التعاليم .
ومنها أن تكون الصناعة تنظر في الأشياء التي شأنها الإرادة والاختيار والعادة .
فعلى هذه الجهة يقال ذلك في العلم المدني والفلسفة العملية .
ومنها ما يقال باشتراك الاسم ، مثل علم الموسيقى ، فإنه يقال فيه انه علم وعمل ، من قبل أن هاهنا صناعتين اثنتين ، إحداهما عملية والأخرى نظرية ، وكل واحدة منها تسمى باسم الأخرى ، فيظنّ لذلك بالنظريّة [ ب 173 پ ] منها أنها أيضا عملية . وما ينسب إلى الأمرين جميعا بالعرض أو باشتراك الاسم ، فان الأمرين ليسا يوجدان بالحقيقة في صناعة واحدة ، لكن يوجد كل واحد منها في صناعة ، غير الصناعة التي
المنطقيات للفارابي — صفحة 325
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٢٥