وليس يمتنع أن يكون كثير من الأشياء لا يمكن فيها بلوغ اليقين ، أو تكون بحيث يمكن ، غير أنّه يتفق أن لا يحصل لنا بعد منه اليقين ، فنضطرّ عند ذلك إلى أن نقتصر منه على مقدار ما بلغناه من التصديق به ، إلى أن يحصل لنا منه اليقين التّام .
وأمّا ما دون اليقين ، فهو اما في وجود الشئ للشئ بالجملة ، واما في وجوده لجميعه ، فانّ كثيرا من الأشياء يتيقّن وجودها للموضوع ، غير أنّا لا نتيقّن هل هي لجميعه أم لا . فينبغي أن نتحرّى في كلّ هذا إلى أن تبلغ فيه اليقين .
وكذلك لا يمتنع أن يكون كثير من الأشياء [ ب 172 پ ] لا يمكن تصوّرها على الكمال ، اما لان طباعها لا يمكن فيه أكثر من ذلك ، أو أنه يمكن ، غير أنا نضعف عنه . فينبغي أن نتحرّى في كلّ شئ امّا الكفاية ، وامّا مبلغ الطاقة . والكفاية في التصديق هو اليقين التّام الذي حدّدناه فيما قبل .
والكفاية في التصوّر فهي غير محدودة ، وانما هي على قدر علم من العلوم .
والتصديق على حسب الطاقة هو المقارب لليقين فقط . وأما التصوّر فإنه يتفاضل ، فمنه ما يعرّفه الحدّ ، ويليه المقارب لما يعرّفه الحدّ . وقد لخّص ذلك فيما تقدّم .
واليقين بحسب الطاقة قد يكون عن قياس وقد يكون عن غير قياس . والذي يكون عن غير قياس ، فهو يحصل اما عن شهادة الجميع فقط . وما كان هكذا فهو جدلّى أو بلاغى . وامّا عن الحسّ ، وهو أن يكون الشئ يوجد لأمر ، في جميع محسوساته التي شوهدت في الزمان الماضي وتشاهد في ما يأتي وفي زماننا وفي كل موضع ، ولا يوجد حس يخالفه ولا قياس . وهذا يدخل في العلوم . فما كان هكذا من المقدّمات الأول ، فألّف عنها قياس ، كانت المعرفة الحاصلة عنه بحسب هذه هي في المرتبة الثانية من اليقين ، وهي التي قد تستعمل في العلوم .
وقد ينبغي أن نتحرّى في كلّ أمر أن نبلغ اليقين الذي حدّدناه فيما قبل ، فإن لم يكن ، فلا أقلّ من هذه الثانية . وما كان دون هذه الثانية ، فليست تدخل في العلوم .
المنطقيات للفارابي — صفحة 324
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٢٤