والتي تجرّب لتقتصر على ما تخرج التجربة ، فهي مثل أحكام النجوم وكثير من الصناعات العملية . فان كثيرا [ ح 77 ر ] منها انما تتزيد بالتجربة فقط ، من غير أن تستنبط بما جرّب شيئا آخر من تلك الصناعة ومن غير أن تستنبط تلك التجربة بشيء آخر ، لا في تلك تلك الصناعة ولا في غيرها .
وجميع الصناعات التي تترقّى إلى أن تتمّ بالتجربة فقط ، فهي انما تعطى من الشئ الذي يشتمل عليه ان الشئ ووجوده فقط ، لا علم لم الشئ . وإذا أخذت الأشياء التي علمت علم أن في أمثال هذه الصنائع ، فاستعملت في صناعة أخرى ، فإنما تستعمل مبادئ ، فيستنبط بها أشياء أخر .
والصناعات التي نسبة بعضها إلى بعض هذه النسبة ، وهي أن يكون أحدها يشتمل على التجربة فقط ، والثاني يستعمل تلك التجربة بأعيانها في استنباط أشياء أخر ، يظنّ أنها صناعات واحدة بأعيانها . فكذلك متى كانت صناعتان تتداولان المعرفة حتى تكون التجريبية منهما معينة للقياسية فيما لا يكفى منه القياس ، والقياسية معينة للتجريبية فيما لا تكفى فيه التجربة .
فلذلك قد يظنّ بالطب والعلم الطبيعي أنهما واحد ، وأن الطّب جزء من العلم الطبيعي . كذلك السياسة العملية والسياسة العلمية وأشباه هذه .
ومن العلوم ما ينسب إلى النظر فقط ، ومنها ما ينسب إلى العمل فقط . [ ب 171 پ ] ومنها ما ينسب إلى الأمرين جميعا .
وينبغي أن نلخّص هذه بعض التلخيص ، فنقول : ان جميع هذه الأصناف ليست تخلو من معرفة . فالمنسوبة منها إلى النظر فقط هي التي تقتصر ممّا تشتمل عليه على المعرفة وحدها ، وتكون هي غايتها القصوى . وأمّا المنسوبة إلى العمل فقط ، فمقصودها العمل [ و ] ليس الاقتصار على علم ما ما شأنه أن يعلم .
وأقلّ المعارف في هذه الصناعات هو أن يرتسم من الشئ الذي يمكن أن يعمل في ذهن الانسان مقدار ما يصدر عنه العمل فقط ، وان لم ينطق عمّا ارتسم في نفسه منه .
المنطقيات للفارابي — صفحة 322
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٢٢