ناظر في تلك الصناعة . وأما ما هي أول [ ب 170 پ ] بالقياس ، فليس يتيقّن بها الناظر في تلك الصناعة ، ان لم يكن زاول الصناعة التي تبرهنها . فإن لم يكن زاولها ؛ فإنما يأخذها عن أهلها ويستعملها أصولا موضوعة ، على أنها يقينيّة ، وان لم تكن عنده يقينيّة .
وظاهر أنه لا يمكن أن يفحص ذو صناعة عن مبادئ صناعة ، ربما هو من أهل تلك الصناعة ، من قبل أنها ان كانت أول على الاطلاق ، لم تكن عنده مجهولة ، فيفحص عنها . وان كانت ممّا يتبيّن في صناعة أخرى ، فظاهر أنه ليس عنده ، بما هو من أهل تلك الصناعة ، مقدّمات يمكن أن تبرهن بها تلك .
وقد يتّفق أن يكون انسان واحد مهندسا ، فصاحب تأليف ، فيبرهن شيئا من مبادئ علم التاليف ، بما هو مهندس ، لا بما هو صاحب علم التأليف ، لكن ان كان ولا بدّ ، فبالعرض .
وينبغي أن ينظر هل يمكن في المبادي الأول على الاطلاق أن تحصل معرفتها عن صناعة أخرى أم لا .
فنقول : أما التي يجد الانسان نفسه كالمفطور على التصديق بها من أول الأمر ، من أن يدرى من أي جهة حصلت ولا كيف حصلت ، فلا يمكن أن تؤخذ تلك عن صناعة أخرى .
وأما الحاصلة ، فهي [ التي ] يمكن أن تؤخذ عن صناعة أخرى . فان الذي جرّبه انسان ما في صناعة قد يمكن أن يؤخذ مبادئ في علم آخر .
والصناعة التي تنفع فيها التجربة ، امّا أن تكون صناعة تقتصر على ما يخرج بالتجربة فقط ، من غير أن تستعمل ما حصل لها بالتجربة ، في علم شئ آخر من تلك الصناعة ؛ واما أن تستعمل ما حصل لها بالتجربة في علم شئ [ ب 171 ر ] آخر من تلك الصناعة ، واما أن تفعل الأمرين جميعا .
فأما التي تجرّب لتستعمل ما يحصل بالتجربة في استنباط شئ آخر ، وليست تجرّب لتقتصر على جرّب وحده ، فهي مثل علم النجوم التعليمي .
المنطقيات للفارابي — صفحة 321
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٢١