مفارقة للمادة . غير أنه ليس ينبغي أن يفحص هاهنا : لم صار كذلك ، هل بسبب أنها في الحقيقة مفارقة ، أو هي أمور تعمّ المفارقة وغير المفارقة ؟ فما كان هكذا ، فإنها لا محالة أشدها في المعرفة مفارقة للمادة . ثمّ الهندسة ، إلى أن ينحط إلى علم المناظر وإلى ما دون ذلك من علم تأليف اللحون وعلم الحيل ، فان [ ب 170 ر ] حدود موضوعاتها ، الا الأقل ، تظهر فيها المادة [ ح 76 پ ] أو تكاد تظهر . والصناعة التي هي أقدم في الوجود بيّن أنها تعطى أسباب المبادى الأول في الصناعة المتأخرة .
وليس بممتنع أن تكون صناعة ما متأخرة تؤخذ مبادئها عن صناعات عدّة ، فتصير كلّ واحدة من تلك معطية لأسباب بعض مبادئها . وكل صناعة أعطت أسباب مبادى صناعة أخرى ، فإنها رئيسة لتلك الصناعة .
وأما العلم الرئيسي على الاطلاق من بين العلوم التي تعطى الأسباب ، فانّه هو الذي يعطى أسباب الموجودات القصوى . وهذا العلم ينبغي أن يكون هو الفلسفة الأولى .
فقد بيّنا كيف تشترك العلوم وبما ذا تشترك . ومن هاهنا يتبيّن أين ومتى وكيف يمكن أن ننقل البراهين من صناعة إلى صناعة وأين لا يمكن .
وقد ظهر أن المبادى الأول في الصناعات والعلوم ليست على مثال واحد ، لكن منها ما هي أول على الاطلاق ، ومنها ما هي أول بالقياس إلى باقي ما في الصناعة .
والمبادى منها ما هي مبادى المعارف فقط ، وهي الدلائل ، ومنها ما هي مبادى الوجود ، وهي الأسباب . ومنها ما هي مبادى الوجود والمعرفة معا .
ونحن انما نعنى بالمبادئ هاهنا أحد هذين : اما مبادى المعرفة ، وامّا مبادى المعرفة والوجود معا . فالأول منها على الاطلاق في كلّ صناعة هي التي لا تتبرهن أصلا ، والأول بحسب القياس هي التي تستعمل أولا في صناعة ما ، وهي متأخرة في صناعة أخرى .
أمّا ما هي أول على الاطلاق في صناعة ما ، فإنه لا يعرى من معرفتها وتيقّنها
المنطقيات للفارابي — صفحة 320
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٢٠