قالوا : ولمّا كانت جهة النظر في الأطوال والسطوح والنقط وسائر ما يفحص عنه علم التعاليم ، جهة ليس يضطرّ الناظر معها إلى أن يتصوّرها من جهة ما هي في مادة ؛ أخذت متصوّرة بلا مادة .
ولنترك هاهنا النظر في هذه الأشياء .
والحس يشهد أن الأطوال والسطوح والنقط كلّها في مادة .
وقال قوم : ان التعاليم بذاتها ليست تنظر في هذه ، لكن في أطوال أخر هي صور ومثالات لهذه ، وأن التعاليم بذاتها تنظر في تلك بذاتها أولا ، وفي هذه ثانيا بالعرض .
ولننزل نحن أن التعاليم تنظر في هذه التي يشهد الحس أنها في مادة من غير أن نحكم هل الناظر انما ينظر فيها أولا وثانيا ، وننزل أن هذه يمكننا أن نتصوّرها بحدودها وعلى حسب جهة النظر فيها من غير مادة [ ب 169 پ ] وأنها تفارق في المعرفة المادة ، ولا تفارق في الوجود . فتصير هذه ، بحيث يمكن أن يتصوّر بحدود لها آخر ، يظهر في أجزائها ، اما المادة واما ما يلزم عنه المادة ، على حسب جهة هذا النظر .
فيكون لصاحب العلم الطبيعي في هذه أيضا موضع نظر . فإن لم يكن ذلك في كلّها ، ففي بعضها ، فيشترك فيما هذه سبيله علم التعاليم والعلم الطبيعي . وما لم يكن سبيله ممّا في علم التعاليم هذه السبيل ، بل كانت فيه أشياء مفارقة أو أشياء تشمل المفارقة وغير المفارقة ، لم يمكن صاحب العلم الطبيعي أن ينظر فيه ، بل انما يشاركه في النظر من سبيله أن يستعمل الموجود على الاطلاق . وما كان في التعاليم مما شأنه أن يلحق بموضوعاته بحسب ما يمكن أن يقدّر أو يقدّر به ، لم يمكن أن ينظر فيه الطبيعي ولا صاحب الفلسفة الأولى . ولذلك لا ينظر واحد من هذين في المتوسطين ولا في ذي الاسمين ولا هل ينقسم على اسميه ، فان هذه كلّها خاصّة بالتعاليم .
فقد تبيّن بهذا القول كيف مشاركة التعاليم للعلم الطبيعي وللفلسفة الأولى . فقد يظنّ بعلم العدد من بين التعاليم أنه يشتمل امّا على المفارقة ، وامّا على أشدها
المنطقيات للفارابي — صفحة 319
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣١٩