واحد من هذه ، لزم أن يكون هناك الأسباب كلّها . فكلّ صناعة إذا كانت تستعمل حدودا يظهر فيها أحد هذه الثلاثة ، فليس يمكن أن يعطى في الشئ بعض أسبابه فقط ، بل كلّ أسبابه .
وان كانت هاهنا صناعة تستعمل حدودا لا يظهر في أجزائها واحد من هذه الأسباب الثلاثة أصلا ، فذلك ليس يلزم فيها ضرورة أن تعطى في الشئ الواحد أسبابه كلّها .
وأمّا أي صناعة ينبغي أن يظهر في حدودها أخذ هذه الثلاثة ، فإنها كل ما اشتملت على النظر في الحركة وفي الموجودات ، من جهة ما يلحقها تغيير ؛ فان هذه الصناعات يلزم فيها أن تظهر في الحدود التي تستعملها أحد هذه أو كلّها . وكلّ ما اشتملت على ما ليست تتحرّك أصلا وكانت تنظر في التي يلحقها التغير فتلك تستعمل حدودا لا يظهر فيها واحد من هذه الثلاثة . فهذه اذن انما تعطى من الأسباب أحدها فقط ، [ ح 76 ر ] وهي التي تسمّى الصور . فاذن حدود هذه انما يظهر فيها الصور فقط .
والعلم الطبيعي ينظر في الحركة وفي الموجودات من حيث هي متحركة .
فحدود موضوعاتها يظهر فيها أحد تلك الثلاثة .
وأما علم التعاليم ، فليس يظهر في شئ منها المادة ، فلذلك يمكن [ ب 169 ر ] أن يشترك علم التعاليم والعلم الطبيعي في شئ واحد ، فيعطى أحدهما فيه سببا ، ويعطى الآخر سببا آخر . ولذلك صارت كرية الأرض والعالم والشمس والقمر ينظر فيها التعاليمى والطبيعي جميعا .
والتعاليم تسمّى العلوم الانتزاعيّة ، لان حدود موضوعاتها الأول ليس يظهر فيها لا مادة ولا شئ يلزم عنه مادة بوجه من الوجوه .
وأما السبب في أن لم يظهر في حدودها المادة ، هل ذلك من قبل أن ما يطلب فيها لا مادة له وأنّها مفارقة للمادة أو لسبب آخر ؟ فالفحص عنه ليس له غناء هاهنا . فقد قال قوم : انها لا مادة لها ، وقال قوم : انها في مادة ، الا أن من شأنها ان يمكن تصوّرها بحدودها مفارقة للمادة ، وهي مفارقة في المعرفة وغير مفارقة للمادة في الوجود .
المنطقيات للفارابي — صفحة 318
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣١٨