وان كان الموضوع فيهما جميعا شيئا واحدا بعينه ، وكان الحدّ الأوسط في أحدهما غير الحد الأوسط في الآخر ، فامّا أن يكون في أحدهما دليلا وفي الآخر سببا ، واما أن يكون فيهما جميعا سببا ، فينبغي أن ننظر كيف الحال فيه .
أما أنه يمكن أن يكون للشئ الواحد أسباب كثيرة ، لا بما بعضها تحت بعض ، لكن بأن يكون بعضها مادة وبعضها حدّا له ، وبعضها غاية وبعضها فاعلا ؛ فذلك قد قيل ، ويمكن أن يتبرهن الشئ الواحد بهذه كلّها في صناعة واحدة ، على ما قد قيل فيما سلف .
وأمّا أن يكون شئ واحد بعينه يتبرهن في صناعة ما بأحد هذه الأسباب ، ويتبرهن في أخرى سبب آخر : فان ذلك انما يمكن متى لم تكن كل صناعة تفحص عن جميع الأسباب ، بل كان في الصناعات ما انما تعطى في مطلوبها بعض الأسباب فقط . فإنه متى كانت صناعة ما تعطى في الشئ الواحد سببا فقط ، ثم نظر في ذلك بعينه في صناعة أخرى ؛ أمكن أن يعطى فيها سببا آخر .
فإذا كان ذلك كذلك ؛ فينبغي أن تفصّل الصناعات كلها ، فننظر ، في كل واحدة منها أي أسباب تعطى . ومعلوم أن الغاية يتبعها بالضرورة سائر الأسباب الأخر ، وكذلك المادة والفاعل بوجه ما . فاذن ايّة صناعة ما تبيّن أنها تعطى أحد هذه ، لزم أن تعطى الباقية .
وأمّا الحدّ ، فينبغي أن [ ب 168 پ ] ننظر كيف الحال فيه . فالحدّ يعرّف ذات الشئ مفصّلة بما هو أقدم منها .
فإذا كان كذلك ، أمكن أن يكون في الحدّ اما الأسباب الخاصّة كلها أو بعضها .
وينبغي أن ننظر هل في أجزاء كلّ حدّ جميع الأسباب أولا . فقد يرى بعض الحدود يظهر فيها الغاية وبعضها فيها الفاعل وبعضها المادة . فأي حدّ اذن ظهر فيه
المنطقيات للفارابي — صفحة 317
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣١٧