فأما بالعرض ، فانّها تدل على زمانه كما أن لفظة البياض تدل على معنى مقترن بجسم لا ينفكّ منه ، وليست تدل بنفس على الجسم الذي لا ينفكّ منه البياض .
وكذلك المشي والحركة ، وان كانت تدل على معان شأنها أن لا تنفكّ من زمان ، فليست بذواتها تدل [ 9 ر ] على الزمان .
والكلمة مع دلالتها على زمان المعنى قد تدل أيضا على الموضوع الذي فيه المعنى دلالة مجملة ، فكأنها تدل على الموضوع الذي شأنه أن يقترن به المعنى .
وذلك مثل قولنا يمشى ، فإنّه يدل على مشى ، وزمان فيه المشي ، وعلى الشئ الذي فيه المشي ، من غير أن يصرح باسمه الذي يخصّه .
وتشارك الكلمة في هذا الأمر الأسماء التي تدل أشكالها على موضوعات معانيها ، مثل قولنا : الأبيض والأسود والضارب والمتحرّك والشجاع والفصيح ، فان كلّ واحده من هذه يدل دلالة مجملة على موضوعاتها . فان البياض انّما قد يدل على المعنى الذي يدل عليه مجردا دون الموضوع ، وكذلك الشجاعة والفصاحة .
فأما الأبيض والشجاع والفصيح ، فانّها تدل على البياض وعلى الشجاعة وعلى الفصاحة ، وعلى الموضوعات التي فيها توجد هذه .
فلذلك لا يمتنع أن يظنّ بهذه انّها داخلة في الكلم ، وخاصّة ما كان من هذه الأسماء مشتقا من الأفعال والحركات التي شأنها أن تقترن بالأزمان . وهي التي إذا فهمت انجرّت الأزمان معها في الذهن ، مثل قولنا ماش وضارب وآكل وشارب ، وأشباه هذه ، فلذلك ظنّ كثير من القدماء بهذه الألفاظ انها كلم لا أسماء ، من قبل انّها تدل بذواتها على الموضوعات التي فيها توجد هذه ، وتدل بالعرض على زمان المعنى . فانّها لما كانت معانيها إذا عقلت وفهمت ، انجرّ معها الزمان في فهمنا ؛ ظنّ بها انّها تدل على زمان ، وليست كذلك ، بل إن كان ولا بدّ فبالعرض .
والكلم [ 9 پ ] منها الكلم الوجوديّة ، ومنها ما ليست بوجوديّة . والوجودية هي مثل كان ويكون ووجد ويوجد وصار ويصير ، وما جرى مجرى هذه واستعمل
المنطقيات للفارابي — صفحة 24
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٤