والمقدّمات التي تنشأ من الايجاب والسلب ، فهي كلّها مقدّمات عامّة ، الا أنها لا تستعمل عامة ، لا في العلوم ولا في المخاطبات الجدلية . لكن تستعمل أشياء أخر خاصّة بالعلم أو بالأمر ، قوّتها قوّة العامّة .
ومقدّمات الايجاب والسلب ، منها قولنا : كل شئ اما أن تصدق عليه الموجبة أو السالبة ، والموجبة والسالبة لا تصدقان معا ؛ وقولنا : ان كانت الموجبة صادقة ، كانت السالبة كاذبة ؛ وان صدقت [ ب 164 ر ] الموجبة ، كذبت السالبة .
والصنائع والعلوم صنفان :
صنف موضوعاته أمور كليّة ، مثل الشئ والموجود على الاطلاق ، والواحد والكثير ، وصنف موضوعاته موجودات أخص : مثل العدد والعظم . وهذه تسمّى الصنائع البرهانية الجزئيّة .
والصنائع التي موضوعاتها الأمور العامّة ، منها صنائع الحكمة ، أعنى الفلسفة الأولى ، ومنها الجدل ، ومنها السوفسطائية .
وهذه الثلاث ينفصل بعضها من بعض بالمبادئ ، وبنحو النظر ، وبمقدار المعرفة وبالغاية .
أمّا مبادى الحكمة ، فالمقدّمات اليقينية ، ونحو نظرها تأمّل الشيء من كلّ الجهات . ومقدار معرفتها بلوغ النهاية التي للانسان أن يبلغها في معرفة الشئ ، وبحسب ما في طبيعة الشئ أن يعلمه انسان . وغايتها الوقوف على قصوى أسباب الموجودات كلّها .
ومبادئ الجدل الآراء المشهورة ، وما جرى مجراها ، ونحو نظرها هو أن تتأمّل الشئ من جهة ما يمكن أن يعاند عنادا مشهورا ، متى حصل مسلّما من انسان ، ومن جهة ما يمكن أن يزال عنه موضع مثل هذا العناد .
ومقدار معرفته بالشيء هو المعرفة العاميّة المشهورة ، امّا في التصديق فالقريب
المنطقيات للفارابي — صفحة 310
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣١٠