وظاهر أن أجزاء الحدود لا يمكن أن تؤلف منها الحدود ، ما لم يكن كل واحد منها بيّن الوجود للشئ الذي يقصد تحديده . فلذلك يلزم أن يكون كلّ واحد من تلك الأمور قد سبقت لنا قبل التحديد معرفة وجود كل واحد منها على حياله للشئ المقصود تحديده .
والمعرفة بوجود الشئ للشئ تحصل امّا لا عن برهان ولا قياس أصلا ، وامّا عن برهان . فاذن ينبغي أن تكون أجزاء الحدود معلومة [ ب 185 ر ] الوجود للمحدود قبل تاليف الحدّ ، اما بأنفسها وامّا ببراهين . فإذا حصل كل واحد منها معلوما ، شرع حينئذ في تأليف الحدّ .
وأجزاء الحدّ ، كما قلنا ، ينبغي أن تكون اما محمولات على الشئ من طريق ما هو ، أو أمورا بها وجود الشئ بذاته ، لا بالعرض . فإذا صح في عدّة محمولات على الشئ أن كلّ واحد منها محمول من طريق ما هو ، امّا بنفسه وامّا ببرهان ، أو صح بأحد هذين الوجهين أن أمورا بها وجود الشئ ؛ حددناها حينئذ . وتأليف الحدّ يلتئم بعد ذلك بجميع الأجزاء التي حالها هذه الحال ، وترتيبها متتالية على نظم محصّل ، إلى أن يجتمع من جملتها ما يساوى المحدود . فحينئذ تكون قد وفينا الشئ حدّه .
وترتيب أجزائه هو أن يقايس بين تلك الأجزاء ، فأيها كان [ ح 71 ر ] أقدم في الوجود ، أخّر في الترتيب ؛ وأيها كان متأخرا في الوجود ، قدّم في الترتيب . وكذلك أيها كان أعم قدّم في الترتيب ، وأيها كان أخص أخّر .
ويتحرّى في كلّ ما يقصد تحديده أن يؤخذ أولا جنسه ، فيرتب أولا ، ثم يردف بسائر الباقية على الترتيب الذي قلناه . فإذا اجتمع من جملة ذلك ما يساوى المحدود حصل لنا حينئذ حد ذلك الشئ .
وقد يتفق ، كما قلنا ، أن نقصد البرهان على وجود الشئ المحدود ، فنبرهنه ، فيعرض أن يكون قد حصل لنا أجزاء حده مرتبة الترتيب الخاص بالبرهان ، فيبقى
المنطقيات للفارابي — صفحة 300
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٠٠