امّا أقرب واما أبعد . والضرورية القريبة ، إذا حدّ بها الشئ عرّفت . أما الذي لا يوجد شئ أقدم منه ، عرفت تعريفا تامّا . وامّا ما يمكن ان يوجد فيه شئ اقدم ، فتعريفه تعريف قريب من التام . ونقص هذا التعريف أنه لا يوقف على السبب .
والضروريات المتأخرة عن الشئ تتفاضل في القرب والبعد . وكل ما كان أقرب كان تعريفه للمحدود تعريفا أكمل ، وكل ما كان أبعد كان تعريفه أنقص .
وأما المتأخرة التي ليست ضرورية ، فإنها ليست تفيد من معرفة الشئ الا ما مقداره في الذهن مقدار ما يدرك المبصر من الشئ متى تأمّله على مسافة بعيدة .
والضرورية القريبة يمكن أن تنتقل منها اجزاء الحدّ الأقدم . وكلّما كانت المتأخّرة أقرب ، كانت النقلة منها إلى الأقدم أسهل وأسرع ، على أن تجعل المتأخّرة دلائل [ ب 157 پ ] على المتقدّمّة . وأمّا ما ليست ضرورية . فليس يمكن النقلة منها إلى الأقدم الا بعسر أو بالعرض .
والأمور التي يوجد لها أشياء متقدّمة ومتأخّرة صنفان :
أحدهما التي متقدّماتها أعرف عندنا من المتأخّرات عنها . وما كان كذلك كانت النقلة فيها من الأقدم فالأقدم إلى المتأخّر على النظام ، على أن تجعل المتقدّمة حدودا وسطى في البراهين على الاطلاق ، بمنزلة ما عليه الأمر في أكثر التعاليم .
والثاني هو الذي المتأخّرات عنه أعرف عندنا من المتقدّمات له . فما كان كذلك فانا نحده أولا بأعرف المتأخرات عندنا ، ثم ننقل منها إلى التي هي أقدم ، بأن نجعل المتأخرة حدودا وسطى في الدلائل ، بمنزلة ما عليه الأمر أكثر الأمور الطبيعية .
فالحدود التي أجزاؤها متقدّمة هي الحدود على الاطلاق ، وهي أحرى أن يقع عليها اسم الحد .
وأما الحدود المتأخرة الأجزاء ، فإنها لا تسمّى الحدود على الاطلاق ، أقل ذلك ، لكن انما تسمّى رسوما أو حدودا متأخرة .
المنطقيات للفارابي — صفحة 299
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٩٩