فظاهر اذن أن أجزاء البراهين يقال إنها أشد تقدما من النتيجة في المعرفة بالزمان ، وأقدم أيضا على جهة ما يتقدم سبب وجود الشئ الشئ ، وأقدم في المعرفة أيضا ، بمعنى أن بمعرفته عرفت النتيجة ، وأقدم في المعرفة بالذهن أيضا ، على جهة ما يتقدم الكليّات الأعيان ، غير أن هذا التقدم ليس هو بالقياس إلى النتيجة .
وما كان من هذه البراهين ألف عن مقدمات أول ، قيل فيها مع ذلك انها أقدم أيضا ، على جهة ما يقال في الشئ الذي عرف بنفسه ، لا عن معرفة شئ آخر قبله .
وقد يمكن أن يجتمع في الشئ التقدم في المعرفة والتقدم في الوجود [ ب 150 ر ] معا ، وقد يمكن ألا يجتمع . لكن قد يكون الشئ أقدم في المعرفة ، وهو متأخر في الوجود ، ويكون متأخرا في المعرفة ومتقدما في الوجود . وقد يمكن أن يجتمع في الشئ الواحد أنحاء التقدم في المعرفة ، وقد يمكن ألا يجتمع . والتي ينبغي أن يجتمع فيها النحوان جميعا من أنحاء التقدم ، فهي مقدمات أنحاء البراهين التي تعطى الوجود والسبب معا .
وقد قلنا في هذه البراهين ، فلنقل الآن في البراهين التي تعطى الوجود فقط ، فأقول ان التي تعطى الوجود فقط صنفان :
أحدهما التي تنتج الأشياء المتقدمة في الوجود بالأشياء المتأخرة عنها ، متى كانت المتأخرة في الوجود أسبق بالزمان في المعرفة . وذلك أن يؤخذ الحد الأوسط شيئا موجودا لأمر ، ويكون سببه الشئ الذي تبيّن وجوده لذلك الأمر . مثال ذلك أن يتبيّن كرية القمر بنمو ضوئه قليلا ، وهو أن القمر ينمو ضوءه قليلا قليلا ، وما نما ضوؤه قليلا قليلا فهو كرى الشكل ، فالقمر اذن كرى الشكل . فان كريّة القمر هي السبب في أن ينمو ضوءه قليلا قليلا . غير أن المتقدم عندنا في المعرفة والمحسوس هو نموّه ، والخفي عندنا والمتأخر هو كريّته .
وانما يمكن أن يتبيّن المتقدم بالمتأخر ، متى كان المتأخر تابعا لمتقدم واحد بعينه ، وكان مع ذلك منعكسا عليه في الحمل .
المنطقيات للفارابي — صفحة 287
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٨٧