وكذلك ينبغي أن تكون نسب أجزاء البراهين التي تنتج السوالب ، ألّفت في الشكل الأول أو في الشكل الثاني ، غير أن أكثر البراهين التي تعطى السبب والوجود معا انما تنتج الموجبات الكلية ، وتؤلّف من موجبات في الشكل الأول .
وما ألّف من البراهين في الشرطيات ، فان نسب أجزائها نسب أجزاء ما ألّف منها في الحملية والأسباب في الشرطيات هي المستثنيات من مقدّماتها .
والمتقدم والمتأخّر يقالان على أنحاء كثيرة . فان الأقدم منه ما يقال في المعرفة ، ومنه ما يقال بأنه أشد تقدّما في الوجود . وكل واحد من هذين اما بالزمان واما بالطبع .
والأقدم بالزمان في المعرفة هو الذي عرف في زمان المعرفة بالشيء الثاني . وقد يقال أقدم في المعرفة ، فيما كانت المعرفة به حصلت ، لا عن معرفة شئ آخر . وأيضا ، فان الذي بمعرفته حصلت معرفة شئ آخر ، يقال إنه أقدم في المعرفة . وأيضا فان الكليّات والأعيان متى قايسنا بينها ، من حيث هي مدركة بالحس ، قيل في الأعيان أنها أشد تقدما في المعرفة بالحس ، والكليّات أشد تأخرا . وكل ما كان أنقص عموما ، كان أقدم في المعرفة بهذه الجهة . ومتى قايسنا بينهما ، وهما مدركان بما سوى الحواس ومعرفتها [ ب 149 پ ] الظاهرة المشهورة ، قيل في الكليّات انها أشد تقدما في هذه المعرفة ، وفي الأعيان انها أشد تأخرا . ومتى قايسنا بين أصناف الكليّات ، قيل فيما كان [ ح 67 ر ] أكثر كليّة انه أقدم في هذه المعرفة .
وأما المتقدم في الوجود ، فإنه أحد الشيئين الذي هو سبب لوجود الآخر ، أي سبب كان من أصناف الأسباب التي ذكرناها . وقد اعتاد كثير من الناس أن يقولوا في الشئ الذي إذا ارتفع ، ارتفع بارتفاعه الشئ الآخر ، وإذا وجد ، لم يلزم ضرورة أن يوجد الآخر ، وإذا ارتفع ذلك الآخر ، لم يرتفع هو بارتفاعه ، انه أقدم من ذلك الشئ الآخر . وكذلك الشئ الذي إذا عرف لم يلزم ضرورة أن يعرف الشئ الآخر ، وإذا عرف الشئ الآخر لزم ضرورة أن يكون قد عرف الأول ، فيقال فيه انه أعرف من ذلك الشئ الآخر .
المنطقيات للفارابي — صفحة 286
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٨٦