فالجواب الأول هو مأخوذ من مادته ، والثاني من صورته ، والثالث من غايته ، والرابع من فاعله .
غير أن الذي [ ح 68 ر ] يؤخذ من مادته ، إذا وضع ، لم يكن يلزم ضرورة وجود الشئ الموجود بالمادّة ، وكذلك الشئ الذي يوجد فاعلا . فأما الشئ الذي يوجد غاية ما لامر ، فإنه متى وضع موجودا ، لزم ضرورة وجود الشيء الموجود به ، وكذلك الصورة ، فان هذين السببين يساوقان وجود الموجود بها .
ومن الأسباب ما إذا أدى ، لم يتبين من أول الأمر كيف هو سبب لذلك الشئ ، ولا كيف وجوده به أو حدوثه عنه . مثال ذلك : لم صار الكرم ينثر ورقه في الشتاء ؟
فأجبنا بأن ذلك من قبل أنه عريض الورق . فان هذا السبب هو سبب ذاتي ، غير أنه ليس يتبيّن فيه كيف هو سبب لانتثار ورق الكرم في الشتاء .
وانما [ ب 152 ر ] يكون ذلك متى لم تؤد أسبابه القريبة . فلذلك يبقى بعد موضع للمسألة عن السبب في أمثال هذه الأشياء . مثال ذلك : لم صار ما عرض ورقه من الأشجار ينتثر ورقه ؟ فإذا قيل : لان الرطوبة التي يتماسك بها الورق على الشجر تنفش مما عرض ورقه أسرع ، كان اعطاء هذا السبب أقرب إلى أن يكون قد عرف كيف صار عرض الورق سببا لانتثاره .
وعلى هذا المثال يجرى ما قاله أباخرسيس أن بلاد الصقالبة ليس فيها مزامير ، من قبل أن ليس بها كروم . وكذلك ما قاله أراطس عن أن النجوم الجنوبية أسرع غيبوبة من الشمالية ، لانّها بعيدة عن القطب الشمالي ، وأن القمر انما ينكسف بمروره على وسط دائرة البروج .
فان أمثال هذه الأمور أسباب بعيدة ، وليس يتبيّن كيف وجود الموجود بها .
وما دامت البراهين توجد حدودها الوسطى أمثال هذه الأسباب ، فإنها تكاد تكون في الدلائل .
فلذلك ينبغي أن يتحرّى في كلّ ما أعطى سببه أن تعطى أسبابه القريبة ،
المنطقيات للفارابي — صفحة 290
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٩٠