تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
فأما متى كان المتأخر تابعا له ولغيره ، لم يمكن أن يتبيّن به وجود المتقدم . مثال [ ب 150 پ ] ذلك أن يبيّن أن الكواكب نارية الجوهر ، من قبل أنها تلمع ، وأن المرّيخ حار يابس من قبل أنه أحمر اللون ، أو لأنها تسخن وتجفف ، وأشباه هذه الأقاويل ؛ فان الحدود الوسطى في هذه الأقاويل لما كانت قد تتبع الطرف الأول وقد لا تتبعه ، لم يمكن فيها تبيين الأشياء المتقدمة بالأشياء المتأخرة . والمتقدمة والمتأخرة أربعة أصناف : أحدها المنعكس بعضه [ ح 67 پ ] على بعض . والثاني أن يكون المتأخر يلزمه المتقدم ، والمتقدم إذا وجد لم يلزمه المتأخر . مثال ذلك الدخان والاحتراق ، فإنه متى كان هناك دخان فهناك احتراق ، ومتى كان احتراق ، فليس يلزم أن يكون دخان . ففي أمثال هذه الأشياء انما يمكن أن يبرهن المتقدم بالمتأخر فقط ، ولا يمكن أن يبيّن المتأخر بالمتقدم . وأما الأول ، فكل واحد منهما يمكن أن يبيّن بالآخر بنحوين مختلفين : أحدهما ببرهان الوجود فقط ، والآخر ببرهان السبب . والثالث أن يكون المتقدم يلزم المتأخر ، والمتأخر لا يلزمه المتقدم . فذلك انما يبيّن فيه المتأخر بالمتقدم أبدا . والرابع أن يكون المتقدم بحيث إذا وضع لم يلزم أن يوجد عنه هذا المتأخر ، ولا إذا كان هذا المتأخر يتبع في وجوده المتقدم المفروض لا محالة ، بل كان يوجد عنه وعن غيره . وهذا الصنف من المتقدم والمتأخر ، فليس يمكن أن يبرهن شئ منهما بالآخر . وأما نسبة أجزاء هذا الصنف من البراهين بعضها [ ب 151 ر ] إلى بعض ، فهي احدى نسب الصنف الذي يعطى الوجود والسبب معا . والصنف الثاني من البراهين التي تعطى الوجود فقط ، فهو الذي يعرّف المتأخر بالمتأخر . وهو أن يكون أمران تابعان لشئ واحد غيرهما ، وتكون مرتبة