فأما متى كان المتأخر تابعا له ولغيره ، لم يمكن أن يتبيّن به وجود المتقدم .
مثال [ ب 150 پ ] ذلك أن يبيّن أن الكواكب نارية الجوهر ، من قبل أنها تلمع ، وأن المرّيخ حار يابس من قبل أنه أحمر اللون ، أو لأنها تسخن وتجفف ، وأشباه هذه الأقاويل ؛ فان الحدود الوسطى في هذه الأقاويل لما كانت قد تتبع الطرف الأول وقد لا تتبعه ، لم يمكن فيها تبيين الأشياء المتقدمة بالأشياء المتأخرة .
والمتقدمة والمتأخرة أربعة أصناف :
أحدها المنعكس بعضه [ ح 67 پ ] على بعض . والثاني أن يكون المتأخر يلزمه المتقدم ، والمتقدم إذا وجد لم يلزمه المتأخر . مثال ذلك الدخان والاحتراق ، فإنه متى كان هناك دخان فهناك احتراق ، ومتى كان احتراق ، فليس يلزم أن يكون دخان .
ففي أمثال هذه الأشياء انما يمكن أن يبرهن المتقدم بالمتأخر فقط ، ولا يمكن أن يبيّن المتأخر بالمتقدم .
وأما الأول ، فكل واحد منهما يمكن أن يبيّن بالآخر بنحوين مختلفين : أحدهما ببرهان الوجود فقط ، والآخر ببرهان السبب .
والثالث أن يكون المتقدم يلزم المتأخر ، والمتأخر لا يلزمه المتقدم . فذلك انما يبيّن فيه المتأخر بالمتقدم أبدا .
والرابع أن يكون المتقدم بحيث إذا وضع لم يلزم أن يوجد عنه هذا المتأخر ، ولا إذا كان هذا المتأخر يتبع في وجوده المتقدم المفروض لا محالة ، بل كان يوجد عنه وعن غيره . وهذا الصنف من المتقدم والمتأخر ، فليس يمكن أن يبرهن شئ منهما بالآخر .
وأما نسبة أجزاء هذا الصنف من البراهين بعضها [ ب 151 ر ] إلى بعض ، فهي احدى نسب الصنف الذي يعطى الوجود والسبب معا .
والصنف الثاني من البراهين التي تعطى الوجود فقط ، فهو الذي يعرّف المتأخر بالمتأخر . وهو أن يكون أمران تابعان لشئ واحد غيرهما ، وتكون مرتبة
المنطقيات للفارابي — صفحة 288
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٨٨