كل واحد منهما في التأخر عن ذلك الشئ مرتبة واحدة ، وتكون نسبة أحدهما إلى الآخر احدى تلك النسب التي ذكرت ، فيبيّن وجود أحد المتأخرين لموضوع ما بأن يؤخذ الحد الأوسط فيه الأمر الآخر .
مثال ذلك أن الأرض لا تتحرك ، لانّه ليس لها مكان تتحرّك اليه ، والحائط لا يتنفس ، لأنه ليس بحيوان ، وأشباه هذه البراهين .
والبراهين التي تعطى الوجود فقط تسمّى الدلائل . ويخص هذا الاسم أكثر ذلك بما عرف منها المتقدم بالمتأخّر . ويسمى المتأخّر الذي يؤخذ حدا أوسط في هذا البرهان الدليل .
وأمّا البراهين التي تعطى الأسباب فقط ، فإنها انما تكون في الأمور التي سبقت لنا معرفة وجودها فقط . وذلك امّا بأنفسها ، أو بالحس ، أو بالبراهين التي تسمّى الدلائل ، فإنما يبقى علينا بعد العلم بوجودها الوقوف على أسبابها .
وأسباب الأشياء ربّما حصلت عن الحسّ ، وربما حصلت عن الدلائل ، وربّما حصلت عن البراهين . ويظنّ بكثير ممّا يطلب أسبابها الذاتية أنها ليست ضرورية الوجود ، لما هي موجودة له ، مثل الصلع والشيب للانسان ، وأشباه هذه ، غير أنها أيضا ذاتية الوجود لما هي له موجودة . وبيّن أن الضرورية [ ب 151 پ ] فيها هي نسبة أسبابها إليها فقط . فإن كان كذلك ، فليس كل ما هو ذاتي للشئ ضروريا له على النحو الذي حدّدنا الضروري .
وأجناس الأسباب الأول أربعة ، تنقسم إلى الاقسام التي ذكرنا . وكل واحد من تلك يوجد في جواب لم هو الشئ . فان المسألة بلم هو الشئ ، انما يمكن فيما حصلت لنا معرفة وجوده .
فانا انما نقول : لم صار الانسان يموت ، إذا علمنا أنه يموت . فيكون الجواب في ذلك امّا لأنه مركّب من الاضداد ، وامّا لأنه حيّ ناطق مائت ، واما لان الأصلح له أن يموت ، واما لان الحافظ له أو الفاعل له متبدل ، وليست نسبته اليه نسبة واحدة .
المنطقيات للفارابي — صفحة 289
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٨٩