ذلك يتبين ان للنفس فعلا ما في المحسوسات أزيد من احساسنا لها .
وإذ كان تبين ذلك يعسر في هذا الموضع ، فلنخل عنه ، ولنقتصر منها على المقدار الذي يخصّ بنا من امرها ، ثم لا نبالى كيف أدركت ، وهل ادراك النفس لها ادراك يخصها من غير أن نحس بجزئياتها . أو انما تحصل لنا معرفتها متى تقدم لنا الاحساس بجزئياتها .
والحاصلة بالتجربة هي المقدّمات الكليّة التي تيقّن بها هذا التيقّن عن تعمّد منّا للاحساس بجزئيّاتها ، امّا قليل منها واما كثير . فان التجربة هي ان نتصفح جزئيات المقدمات الكلية ، ونتأمل محمولها في واحد واحد منها ، ونتتبعه في جميعها أو في أكثرها ، إلى أن يحصل لنا اليقين الضروري ، فان ذلك الحكم حكم على جميع ذلك النوع .
وهي شبيهة الاستقراء ، غير أن الفرق بينها وبين الاستقراء ان الاستقراء هو ما لم يحصل عنه اليقين الضروري بالحكم الكلى ، والتجربة هي ما يحصل عنها اليقين بالحكم الكلى .
وكثير من الناس يبدّلون كل واحد في هذين الاسمين بدل الاخر ، الا انّا نحن لا نبالى كيف جرت العبارة عن هذين المعنيين . ونبيّن هاهنا أيضا ان النفس ليست تقتصر في هذه على مقدار ما يتصفح منها ، بل تحكم بعد التصفح بحكم عامّ يشمل ما قد تصفح [ ب 140 ر ] وما لم يتصفح .
واما من اين يحصل لنا بعقب هذا التصفح هذا الحكم العام ، فذلك كما قلنا ينبغي ان يرجأ امره ، إذ لم يكن في معرفته غناء في اليقين الكائن به ، ولا الجهل به يزيل اليقين بالمقدمات أو ينقصه أو يعوقنا عن استعمالها .
ولنسم هذه المقدمات أوائل اليقين . ولنقل الان في المعارف التي تحصل عن المقدمات الأول التي تيقّن بها هذا اليقين .
فأقول ان اسم العلم كما قلنا فيما تقدم ، يقع في الجملة على معنيين : أحدهما التصديق والثاني التصور .
المنطقيات للفارابي — صفحة 271
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٧١