أنفسنا كأنها فطرت عليه من أول كوننا ، وكأنه غريزي لنا لم نخل منه .
وهذه تسمّى المقدمات الأول الطبيعية للانسان ، وتسمى المبادى الأول وليست بنا حاجة [ ب 139 ر ] في هذا الكتاب إلى أن نعرف كيف حصلت ، وفي اين حصلت . لان جهلنا بجهة حصولها ليس يزيل اليقين بها ، ولا ينقصه ، ولا يعوقنا على أن نؤلّف عنها قياسا يوقع لنا اليقين باللازم عنها .
والجهة التي منها حصلت هذه المعارف الأول هي أحد المطلوبات في العلوم والفلسفة .
وظاهر انا انما نصل إلى اليقين بجهة وقوعها عن قياسات تؤلّف عن أمثال هذه المقدمات . فان كانت هذه لا تصح أو تعرف من اين وقف المعرفة بها ، وكيف وقعت ؛ لم يمكن ان نستعملها في تبيين شئ أصلا . وجهات وقوعها ان كانت لا تعرف الا بهذه ، وهذه لا يمكن ان تستعمل في بيانها ، لزم ان لا يوصل إلى معرفة شئ أصلا .
ولذلك غلط من الزم النظر في جهات حصول هذه المقدمات في المنطق .
بل انما ينبغي ان يبلغ من معرفتها في هذه الصناعة ان توصف وترسم وتعدّد صنافها ، وتعرف جهة استعمالها اجزاء مقاييس ، وتبين كيف يرتقى إليها سائر المعارف .
وقد اختلف آراء الناس في جهات وقوعها ، غير أنه ليست بنا حاجة عند استعمالنا ايّاها [ ح 62 پ ] إلى أن ندري كيف حصلت ، ومن اين حصلت . الا انه يظهر في حلّ هذه المقدمات الكليات ان أعيانها محسوسة . ولذلك قال قوم : انها حاصلة عن الحس .
وقد يتبيّن هاهنا انّها وان كانت حاصلة عن الحس فليس في الحس وحده كفاية في حصولها على التمام . من قبل انا ان كنا نقتصر منها على مقدار ما احسسناه ونحن انما [ ب 139 پ ] .
أحسسنا من أعيانها أعيانا محدودة العدد ؛ لزم ان يكون ما يحصل لنا منها مقدمات جزئية لا كلية ، ونحن نجدها قد حصلت كلّيّات ، حتّى صرنا نحكم على موضوعات هذه المقدمات حكما عامّا ، يشتمل على ما احسسناه وما لم نحسه . فمن
المنطقيات للفارابي — صفحة 270
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٧٠