فان قوما يرون ان الموت خير ، وانه لا ينبغي ان يهرب منه ، ويرون ذلك على وجوه مختلفة .
فبعضهم يرى ذلك بما شرع لهم في ملّتهم ، وبعضهم يرى ذلك عند حال وفي وقت .
وكل ذلك مخالف للمشهور ، ولما يجده الانسان في نفسه وفي طباعه من محبّة الحياة وكراهة الموت .
وينبغي ان يميز في هذه وما شاكلها ايّما منها يجتمع في خلق واحد ، ورأى واحد ، أو سيرة واحدة ؛ وايّما منها متعاندة : امّا عند الجميع ، وامّا عند طائفة ما ، فيستعمل المشهور منها في الجدل ، وما عند طائفة دون طائفة عندما يقصد اقناع أولئك فقط .
وأيضا ليس يمتنع ان يوجد لواحد منها متعاندان كما هو موجود في المثال الأول . فان قولنا : العدل خير يعانده قولنا : العدل شر ؛ وأيضا قولنا : الجور خير . وكذلك قولنا : الجور شر ، يعانده قولنا : الجور خير ، وقولنا : العدل شر . وأيضا فان قولنا : العدل شر يعانده قولنا : العدل خير ، والجور شر .
فإذا اتّفق ان كان لشئ واحد معاندان ، فينبغي ان يؤخذ من معانديه ما كان انفع في اثباته وابطاله ، بان يكون اشدّهما عنادا وابينهما وأشهرهما امّا عند الجميع واما عند من يخاطبه .
وقد تستعمل هذه المواضع في غير المتقابلات ، مثل قول من قال : ان الحركة [ ب 110 ر ] غير مفارقة للزمان . لانّا ان لم توهم حركة ، لم نتوهّم الزمان . ومثل قول من يقول : ان البياض لا يلزم الأبيض ضرورة ، لان قوما يعتقدون وجود الأبيض ، ولا يعترفون بوجود البياض . ومن هذا الجنس قول من يقول من القدماء : ان خارج العالم شيئا ما لا نهاية له ، إذ كنا بالضرورة إذا توهمنا نهاية العالم من جانب خارجه ، توهّمنا معها خلأ أو جسما بلا نهاية . ومن أراد أن يستعمل أمثال هذه المواضع ،
المنطقيات للفارابي — صفحة 254
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٥٤