لذلك انّه يلزم ان يكون المحمول في كل الموضوع .
وهذا الموضع مختلّ جدا ، وهو سوفسطائى ، وقد يستعمل في الخطابة .
فانّه ليس إذا ارتفع امر بارتفاع شئ ما ، يلزم ضرورة ان يوجد الامر بوجود ذلك الشئ . وذلك لان الانسان يرتفع عند هذا الشخص المرئى بارتفاع الحيوان عنه . وإذا وجد حيوانا ، لم يلزم ضرورة ان يكون انسانا . ومن استعمل هذا الموضع المختلّ ، فانّه انّما يستثنى مقابل المقدّم ، وينتج مقابل التالي ، وهو لا يشعر .
وهذا الموضع يظنّ به انه تستنبط به أسباب الأشياء . وذلك انّه يظنّ ان الامر إذا ارتفع ، فارتفع بارتفاعه شئ آخر : ان وجود ذلك الامر هو سبب لوجود ذلك الشئ الاخر .
على مثال ما يرى جالينوس الطبيب يستعمل ذلك كثيرا في ما يشاهده في أعضاء الانسان بالتشريح ، فيجعله أسبابا لأشياء اخر لم يشاهدها ، بان يستعمل هذا الموضع .
مثل قوله : إذا قطعنا العصب الفلاني بطل الصوت أو الحركة والحس . فإذا وجود ذلك العصب هو سبب لوجود الصوت أو الحركة أو الحس ، ولا يشعر انّه استثنى مقابل المقدم ، وانتج مقابل التالي .
وآخرون يظنّون ان الامر إذا وجد ووجد بوجوده شئ آخر ، انّه هو السبب في وجود ذلك الشئ الاخر . [ ب 101 پ ] وهذا أيضا يلحق كثيرا من الأسباب .
ولكن ليس كلّ ما كان هكذا ، فهو سبب . ويبيّن ذلك من أن الانسان إذا وجد ، وجد الحيوان ضرورة . والانسان ليس بسبب لوجود الحيوان . وربما جرى الامر بالعكس . فان اللازم عن الشئ ربّما كان سببا لوجود ذلك الشئ ، مثل المبنى والباني والمكتوب والكاتب . فان المكتوب يلزم عنه ان يوجد الكاتب ، وليس المكتوب سببا لوجود الكاتب ، بل الكاتب سبب لوجود المكتوب .
وإذا تركّب الوجود والارتفاع معا من جانب واحد ، بان يكون الامر إذا وجد ، وجد بوجوده شئ آخر ، وإذا ارتفع ، ارتفع بارتفاعه ذلك الشئ الاخر ؛ كان الموضع قوى الاقناع ، واستعمل في أشياء كثيرة :
المنطقيات للفارابي — صفحة 239
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٣٩