والنحو الثاني من تغليط اللاحق هو سبب أيضا لاغاليط كثيرة . من ذلك ما قاله بعض آل فوثاغورس : ان كل موجود فهو في مكان ، إذ كان ما ليس بموجود ليس هو في مكان . وسبب هذا الغلط ان ما ليس بموجود ، لمّا لم يكن في مكان ، أوهم الانعكاس . فيحصل ان كل ما ليس في مكان فليس هو موجود ، وعكس نقيض هذا ان كل موجود فهو في مكان . وكذلك قول ماليسس ان كان الموجود تكون ، فله مبدء . غير أنه لم يتكوّن ، فليس له اذن مبدء . فإنه لما صحّ ان كل متكوّن ، فله مبدأ ، [ ح 56 ر ] أوهم ان ماله مبدأ فهو متكوّن . وعكس نقيض هذا ان ما لم يتكوّن فليس له مبدء .
ومنها المقصورات على شئ ما امّا على مكان ، وامّا على حال ما ، وبالجملة ما كان منسوبا إلى شئ ما اى شئ كان . فان هذه تغلط ، فيوهم انها قد يكون على الا - طلاق . مثل قولنا اوميرس موجود شاعرا ، فهو اذن موجود ، وزيد غير موجود عمروا ، فزيد اذن غير موجود . وما قد سلف [ ب 124 پ ] فهو موجود الان متوهّما ، فهو اذن يوجد الان . والمذبوح حيوان ميّت ، فهو اذن حيّ ، فالميت إذا حيّ . وكذلك الموجود للبعض ، فإنه يوهم انه موجود للشئ على الاطلاق . مثل ما بيّن بعض الناس ان بعض الكواكب ، لما كان كرى الشكل ، كان كل كوكب كرى الشكل .
ولنحل هذا الموضع إلى الموضع الأخير من المواضع التي ذكرناها فيما سلف .
ومن هاهنا قد يظن أن اقتران الموجبتين في الشكل الثاني ينتج على الاطلاق ، إذ كان قد انتج أحيانا .
ومنها المطلقات ، فإنها قد يوهم انها قد تقيّد بكلّ ما يمكن ان يقارنها من المحمولات . فإذا قيدت ؛ لزم عنها امّا كذب ، واما فضل وهذيان وتكرير .
مثال ما يلزم عنه كذب ، قولنا : هذا ابن ، وهو لك ، فهو اذن ابن لك .
ومثال الفضل ، قولنا : زيد انسان ، وزيد انسان ابيض ، فاذن زيد انسان انسان ابيض . وقولنا زيد انسان ، وزيد حيوان ، فاذن زيد انسان حيوان . وذلك كله فضل وتكرير .
المنطقيات للفارابي — صفحة 209
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٠٩