برمانيدس وزينن انّه لا يمكن ان يتكون شئ من قبل انّه أن تكون ، فهو اما عن موجود ، اما غير موجود . وليس يمكن ان يحدث موجود عن موجود ، لانّه ان كان من قبل الحدوث حاصلا على الوجود ، فلم يحدث إذا شئ لم يكن موجودا ، فإذا لم يحدث شئ . ولا أيضا يمكن ان يحدث عن غير موجود لانّه يلزم ان يكون ما هو غير موجود يصير موجودا ، وغير الموجود يصير مادة لما هو موجود . فيكون غير الموجود حين ما هو غير موجود موجودا . وهذا انما غلط فيه من قبل ان قولنا : « عن » يدل على معنيين .
أحدهما ما يدل عليه قولنا : بعد .
والثاني الموضوع والمادة . وذلك في مثل قولنا الإبريق هو عن النحاس ، والباب عن خشب . وقولنا « عن » يدل هاهنا على المادة .
والمعنى الثاني مثل قولنا : كان الصحو [ ب 122 پ ] عن غيم ، والفجر عن الليل ، يعنى به بعد الليل ؛ وعن قليل يندم ، اى بعد قليل . وقولنا : عن شئ ، عنينا به المادة .
فقولنا : في الموجود انه يحدث عن غير موجود على أن غير الموجود مادة تتغير ، فيحصل عنه موجود حادث ممكن بالعرض ، وغيره ممكن بالذات .
وكذلك ، متى فهم من قولنا : « عن » ما يفهم من قولنا « بعد » ؛ صار قولنا حدوث موجود عن موجود إذا عنى به بعد موجود ممكنا بالعرض ، وغير ممكن بالذات .
فأولئك لمّا لم يخطر ببالهم امكانه بالعرض ، وامتناعه بالذات ، فاخذوا ما بالعرض مكان ما بالذات ، وكان ذلك ممتنعا ، ظنّوا فيما هو ممكن انه ممتنع .
وكك ، إذا اتفق أو سبق الانسان معرفة ما هو ذاتي بالحقيقة ، ولم يخطر بباله ما هو بالعرض ، وكان ما هو له بالعرض صادقا عليه ، مثل صدق الذاتي ، وكان يلزم عن ما هو له بالعرض غير ما يلزم عما هو له ذاتي في الحقيقة ؛ لزم فيمن حاله هذه الحال اما الحيرة ، واما زوال عن اعتقاده الأول واما ضعفه .
ولهذا السبب صار كثير من أصحاب العلوم ينقطعون في أيدي من ليس من
المنطقيات للفارابي — صفحة 206
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٠٦