تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
ولهذا السبب ، صرنا إذا صحّ لنا شئ ، ظنّنا ان عكس نقيض عكسه صادق معه . فيرى ان العسل إذا كان اصفرا ، فانعكس في نفوسنا ، فصار الأصفر عسلا ، فيلزم عن هذا نقيض عكسه ، وهو ان ما ليس بعسل فليس هو باصفر . من قبل انا حين رأينا العسل اصفر ، فانعكس في نفوسنا ، فصار الأصفر عسلاء ، فيلزم في هذا نقيض عكسه ، وهو ان ما ليس بعسل فليس هو اصفر . وكذلك يلزم متى رأينا العسل اصفر ، ان يكون ما ليس باصفر ليس هو عسل ، وهذا هو عكس نقيضه . وكذلك ان كان العدل مقبول القول ، فمن ليس بعدل فغير مقبول القول . فاللاحق يغلط بنحوين من التغليط : أحدهما انه يوهم عكسه في الحمل . والثاني انه يوهم صدق عكس نقيضه . فالنحو الأول يلتئم منه القياسات البلاغية التي يسمى قياسات العلامة . مثال ذلك : زيد يتزين ، فهو اذن فاسق ، وعمرو يدور بالليل ، فهو اذن لص . ومن هذا الموضع قد يظن بالاقتران الكائن عن الموجبتين في الشكل الثاني انه ينتج . وهذا هو سبب لاغاليط كثيرة في الصنائع وفي العلوم وفي المخاطبات المتبدّلة . من ذلك ما ظن قوم ان العروق غير الضارية منشأها من الكبد ، من قبل ان أطرافها التي تلى الكيد أغلظ . والسبب في [ ب 124 ر ] هذا الغلط انا نرى الأشجار والنبات ما يلي منشأها أغلظ ، فيحصل معنا ان منشأ ما تنبت يليه أغلظ الاجزاء . فيوهم ذلك الانعكاس ، فيصر ما يليه أغلظ الاجزاء فهو منشأ الشئ . ثم يوجد الكبد يليه أغلظ اجزاء العروق غير الضاربة ، فيحكم ان الكبد منشأها . وكذلك قول من قال : منبت العصب من الدماغ ، لأنها مغرورة فيه ، من قبل ان النابت من شئ يلحقه ان يكون متغرزا فيه ، ظن بالمتغرّز في الشئ انه نابت منه . والعصب لما كان متغرزا في الدماغ ، لزم ان يكون نابتا منه .