وينبغي أن لا يتعدى بهذه الأشياء هذه الصنائع . فانّها إذا استعملت فيها ، نفعت جدا . وإذا تعدّى بها إلى غيرها ؛ فهي امّا أن لا يبلغ بها المقصود أصلا ، وامّا ان يصار منها كما قلنا إلى ضدّ المقصود .
ولهذا السبب صار طريق التصفّح ممّا قد يكتفى به في تصحيح الكلّى في أمثال هذه الصنائع ، إذا تصفّح أكثر الأشياء التي تحت الكلّى . وليس هذا فقط ، بل إذا تصفّحت الأشياء التي تحت الكلّى ، ولم يوجد الحكم ممتنعا في شئ منها ، فانّه قد [ ب 93 پ ] تجتزأ به أيضا في التصحيح .
وكذلك إذا تصفّح منها القليل أمّا واحدا أو اثنين ، وكذلك ساير الوجوه التي تؤخذ في تصحيح الكلّى مثل طريق الوجود والارتفاع وغير ذلك ، ينتفع بها في أمثال هذه الصنائع منفعة عظيمة . وان أخذت غير مستقصاة ، وعسى الواجب فيها أن تؤخذ غير مستقصاة على التمام ، كما قد يلزم ذلك في كثير من العلوم .
وامّا المثال . فهو أخذ أمرين متشابهين يحكم على أحدهما بحكم من جهة ما هو موصوف بالشيء الذي شابه به الأمر الآخر ، ويسكت عن ذلك الآخر ، فالذي علم حكمه منهما مثال لما لم يعلم ، فينقل الحكم الذي حكم به عليه إلى الشبيه الآخر . وانّما يعلم أن الحكم الذي حكم به على أحدهما ، هو حكم عليه من جهة الشئ الذي به تشابها ؛ إذا تبيّن لنا صحّة ذلك الحكم على ذلك الشئ الذي به تشابها ، حتّى يكون ذلك الأمر الذي صرح بحكمه ، كأنه أبدل بدل الشيء الذي به تشابها .
فالمثال يكاد يكون قريبا من الأمر الجزئي الّذي أقيم مقام الكلّى ، ويعلم صحّة الحكم على الشئ الذي به تشابها بالوجه الذي علم به الكلّى الذي أقيم الجزئي مقامه . وإذا صحّ ذلك ، حصلت مقدمة كلّيّة . وإذا تبيّن في شئ ما أنّه داخل تحت موضوع تلك المقدمة ، انتقل الحكم الذي كان حكم به على المثال إلى ذلك الشئ ، وأيتلف قياسه في الشكل الأول .
والمثال الذي ذكرناه في الباب الذي قبل هذا ، قد يصلح بعينه أن يكون هاهنا .
المنطقيات للفارابي — صفحة 191
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص١٩١