محرّما ، وأيتلف قياسه في الشكل الثالث ، وهو أن الجصّ مكيل ، والجصّ ليس بمحرّم ، فإذا ليس كلّ مكيل محرّما التفاضل فيه .
فقد تبيّن أن هذا الطريق ليس بنافع في التصحيح ، ونافع في الأبطال . غير أن الأمر في هذه الأشياء هو ما قاله أرسطوطاليس :
انّه ليس ينبغي أن يطلب الاستقصاء في كلّ شئ ، على مثال واحد ، لكن يكون استقصاؤنا في كلّ شئ بحسب مادته وعلى قدر ما يحتمله من الاستقصاء ، المادّة الموضوعة له . وينبغي أن يبلغ في استقصاء كلّ مادّة إلى مقدار [ ب 93 ر ] الكفاية منها . وليس يمكن في كلّ شئ أن يبلغ فيه اليقين التام ، ولكن يكتفى في كثير من الأمر أن يقتصر من معرفته على ما دون اليقين .
وأرسطوطاليس نفسه يقول : ان طلب الاستقصاء في كلّ شئ على مثال واحد هو من فعل غير محتنك في أداء البراهين في كلّ شئ .
وقد يعرض في استقصاء الأقاويل في كلّ شئ على مثال واحد ما يعرض في استقصاء الأفعال في المعاملات والمعاشرات الانسانية . فان ذلك مذموم ، وكأنه فساد في بعضها ، بمنزلة ما يقال : ان الاستقصاء فرقة ، فانّه قد يلحق عن الاستقصاء هاهنا ضدّ ما قصدنا به . وكذلك الاستقصاء في أمر القياس ، فانّه قد يلحق عنه ضدّ ما قصد بالقياس ، والقياس انّما يقصد به التبيّن وإزالة الشّك والحيرة .
فإذا استقصى أمر القياس في بعض الأمور ، بأكثر من الكفاية فيه ، عرض منه ألا تبيّن الشئ فيه أصلا . وبقوة الأشياء ، التي لا يستعمل المسامحة في معارفها ، بل يستقصى فيها ، ولا يقتصر فيها على ما دون اليقين ، بل انما شانها أن يبلغ فيها اليقين التّام ، فهي غير نافعة . ( حاشية : يعنى غير نافعة في المعاملات التي يقع في الأسواق ) .
وأمّا التي تستعمل فيها المسامحة في المعرفة وترك الاستقصاء ، فهي نافعة جدا في صناعة الفقه ، وكثير من ساير الصنائع ، فشأنها ان تستعمل في معارفها مسامحات كثيرة .
المنطقيات للفارابي — صفحة 190
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص١٩٠