وقوله ، تعالى : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ، وإذا قلتم فاعدلوا ، وأوفوا بالعقود . فمتى حصلت عندنا مقبولات عبر عنها بأقاويل غير جازمة ، فأردنا أن نستعملها مقدمات في مقاييس ، فينبغي أن نبدل مكانها أقاويل جازمة . مثال ذلك إذا قيل لنا : تجنّبوا الخمر ، وأردنا ان نستعمل هذا القول جزء قياس ، فينبغي أن نبدل مكانه قولنا : كلّ خمر متجنّبة ، أو ينبغي أن تتجنّب .
وموضوعات هذه المقدّمات ومحمولاتها ، قد يعبّر عنها بالأسماء التي يقال بتواطؤ ، وقد يعبر عنها بالأسماء التي تقال باشتراك . والاسم الذي يقال بتواطؤ هو الذي يعم أشياء كثيرة ، ويدل على معنى واحد يعمّها . والاسم المشترك هو الذي يعمّ أشياء كثيرة ، ولا يدل على معنى واحد يعمّها .
والمقبولات انّما تكون مقدّماتها كليّة متى كانت العبارة عن موضوعاتها ومحمولاتها بأسماء تقال بتواطؤ . وأمّا ما عبّر عنها بأسماء مشتركة ، فهي يظنّ بها أنّها كليّة وليست كليّة في الحقيقة .
وأمّا الكلّى المبدل بدل الجزئي المقصود ، فهو مقدمة مقبولة كليّة تبدل مكان مقدمة أخص منها ، فإنه قد يكون مقصد القائل جزئيّا ما ، فينطق بالكلّى العام لذلك [ ب 90 ر ] الجزئي ومقصده الجزئي . فان الانسان قد يقول : ليس في الأصدقاء خير ، ولا - في الأولاد خير ، وانّما يعنى بعضهم . مثل كذبت قوم نوح المرسلين ، يعنى بعضهم وحده .
فإذا اتّفق أن حصل معنا مقبول كلّى ، وعلمنا أنّه قصد به بعض جزئياته ، وعلمنا أي جزء قصد ؛ أخذنا ذلك الجزء . فإن كان أيضا ذلك الجزء عامّا لأشياء اخر ، استعمل على مثال ما يستعمل الكلّى الذي ذكرناه . فأي شئ صح دخوله تحت هذا الكلّى الأخص ، نقل اليه الحكم الذي حكم به على ذلك الأخص .
مثال ذلك من المقبولات التي لدينا : السارق ينبغي أن تقطع يده ، وقد أبدل هذا مكان بعض من يسرق ، وهو السارق ربع دينار مثلا ، فيأخذ السارق بهذه الصفة محكوما عليه بقطع اليد ، فيحصل مقدمة كليّة . فإذا صحّ أن زيد سارق ، وهو بهذه الصفة ؛ لزم أن يقطع يده . وهذا أيضا قياس مؤتلف في الشكل الأول .
المنطقيات للفارابي — صفحة 185
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص١٨٥