أنّه انّما يتبعه الحكم ، إذا وجد في ذلك المحسوس فقط لا غيره . وكذلك أن كان انّما صحّ أنّه إذا وجد في المحسوس ، وجد الحكم ، من غير أن يعلم أنه حيث وجد ، وجد الحكم . فانّه ان كان كذلك ؛ أمكن أن يكون خاصّا بالمحسوس ، ونحن لا نعلم ، أو مقيّدا بحال تخص أمورا لا يدخل معها الغائب ، فلا تصحّ النقلة .
فقد بيّنا كيف يمكن تصحيحه بهذا الطريق ، وكيف لا يمكن .
وأمّا تصحيحه بأن ينظر : هل إذا ارتفع رفع الحكم أولا ، فانّه ضعيف جدا .
من قبل أن الشئ إذا ارتفع ، فرفع بارتفاعه الحكم ؛ لم يلزم ضرورة إذا وجد ذلك الشئ أن يوجد الحكم ، بل يلزم عكس ذلك ، وهو أنّه إذا وجد الحكم ، وجد الشئ .
مثال ذلك أن الحيوان إذا ارتفع عن شئ ، ارتفع عن ذلك الشئ أن يكون انسانا . وليس يلزم إذا وجد الحيوان ، أن يوجد الانسان ، لكن الامر بالعكس ، وهو ان الانسان إذا وجد ، لزم ضرورة أن يوجد الحيوان .
[ ب 87 ر ] فلذلك ليس ينبغي أن يصحّح وجود الحكم لكلّ ذلك الشئ ، بان يكون الحكم مرتفعا بارتفاع الشئ . لكن متى أردنا أن يصحّح بطريق الارتفاع ؛ فينبغي أن ننظر هل إذا ارتفع الحكم ، ارتفع الشئ أم لا . فان الشئ إذا كان يرتفع بارتفاع الحكم ، لزم ضرورة إذا وجد الشئ أن يوجد الحكم . وليس يقتصر على هذا فقط دون أن نصحّح أن الحكم من حيث ارتفع الشئ ، فحينئذ يلزم ضرورة أن يكون الشئ حيث ما وجد ، وجد الحكم .
ونبيّن أن الامر كما قلنا من القياس الشرطىّ الذي يستثنى فيه مقابل التالي ، فان ارتفاع الحكم ليس هو غير أن يسلب الحكم عن الامر ، وكذلك ارتفاع الشئ .
فإذا جعلنا ارتفاع الحكم مكان المقدّم ، وارتفاع الشئ مكان التالي ، ثم استثنينا مقابل ارتفاع الشئ ، وهو يقوم مقام استثناء مقابل التالي ؛ لزم ضرورة مقابل ما أقيم مقام المقدّم ، وهو وجود الحكم .
فلذلك إذا أردنا أن يصحّ لنا أن كلّ فاعل جسم ، نظرنا : ان كان الجسم إذا
المنطقيات للفارابي — صفحة 180
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص١٨٠