التي من جهتها وجد الحيوان حادثا عن مادة ، وذلك أن يصحّح أن كلّ جسم فهو محدث عن مادة تتقدّمه .
فان أراد أن يصحّح ذلك بأن يتصفّح أصناف الأجسام ، حتى يأتي على كلّها ، لم يمكنه ذلك دون أن يتصفّح معها السماء أيضا . فإذا لم يمكنه ذلك ، لم يصحّ له أن كلّ جسم فهو محدث عن مادة . فإذا لم يصحّ ذلك ، لم يمكن أن يبيّن أن السماء إذ كانت جسما ، فهي حادثة عن مادة .
وأمّا الابطال فانّه يكتفى فيه بهذا الطريق وحده ، وذلك أن يعتقد معتقد أن كلّ تغيّر فهو من شئ إلى شئ ، فيتصفّح أنواع التغيّرات ، فيجد الكون تغيّرا من لا شئ إلى شئ ، والفساد تغيّرا من شئ إلى لا شئ ، فيبطل بذلك أن يكون كلّ تغيّر فهو من شئ إلى شئ . من قبل أن الكون تغيّر ، وليس من شئ إلى شئ ، فيأتلف في الشكل الثالث ، وهو ان كلّ كون فهو تغيّر ، ولا كون واحد هو من شئ إلى شئ ، فإذا ليس كلّ تغيّر فهو من شئ إلى شئ .
وقد يمكن أن يصحّح ذلك بوجه آخر ، وهو أن ننظر في الأمور التي بها شابه المحسوس الغائب ، أو في سائر الأمور التي يوصف بها المحسوس ، سوى ذلك الحكم ، أيّها إذا وجد منها في أي شئ كان وجد الحكم .
مثال ذلك أن ننظر في المقارنة للحوادث ، ان كان إذا وجد في أي شئ كان وحيث كان ، وجد الحدوث ؛ فانّه [ ب 86 پ ] إذا كان كذلك ، كان كلّ مقارن للحوادث محدثا فانّه لا فرق بين أن يقال : حيثما وجدت المقارنة للحوادث وجد الحدوث ، وبين أن يقال : أي شئ وصف بالمقارنة للحوادث وصف أيضا بالحدوث .
وهذا أن يقال : كلّ مقارن للحوادث محدث .
فإذا صحّ بهذا الطريق ؛ صحّ الاستدلال بالشاهد على الغائب ، ولم يمكن أن يعاند أصلا . وإذا اقتصر فيه على أنّه إذا وجد في ذلك المحسوس فقط ، وجد الحكم ؛ لم يلزم ضرورة إذا وجد في الغائب ، أن يوجد له الحكم . لانّه انما صحّ لنا
المنطقيات للفارابي — صفحة 179
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص١٧٩