الحكم الذي يطلب في الغائب ، ثمّ ننظر في أي محسوس يوجد ذلك الحكم . فإذا علمنا المحسوس الذي فيه ذلك الحكم ، أخذنا عند ذلك الأمور التي بها يشابه الغائب ذلك المحسوس . ثمّ ننظر أي امر من تلك الأمور ، يصحّ على جميعه الحكم المشاهد في المحسوس . فإذا وجدنا ذلك الأمر ، انتقل بالضرورة الحكم من المحسوس المشاهد إلى الغائب . فإذا الاستدلال بالشاهد على الغائب بهذا الطريق ، قوته قوة مسئلة تطلب ، فيوجد قياسها الناتج لها في الشكل الأول .
وإذا أردنا أن نستدل بالشاهد على غائب ما بطريق التركيب ؛ نظرنا في المحسوس الذي شوهد فيه حكم ما ، وأخذنا الأمور الأخر الموجودة في ذلك المحسوس ، ثمّ نظرنا [ ب 85 ر ] اى أمر من تلك الأمور يصحّ ذلك الحكم على جميعه . فإذا حصل ذلك معنا ، ثمّ وجدنا شيئا غير معلوم الحكم داخلا تحت ذلك الأمر ؛ لزم ضرورة أن ينتقل اليه الحكم الذي كان قد صحّ لنا على المحسوس . فهذا النحو أيضا قوته قوة قياس في الشكل الأول .
والامر الذي في جميعه يصحّ الحكم يسمّيه أهل زماننا العلّة ، وهو الحدّ الأوسط .
وصحّة الحكم على أمر ما من التي شابه بها الغائب الشاهد ، قد نعلم في كثير من الأشياء بأنفسها لا بقياس ولا بفكر ولا تأمّل أصلا ، على مثال ما تعلم المقدّمات الأول بأحد تلك الوجوه البيّنة . وما لم تكن صحّته معلومة بنفسها ، احتيج في تبيينه إلى شئ آخر . وقد يمكن ذلك بوجوه .
منها أن يصحّ ذلك بقياس يؤلف على أحد الانحاء التي ذكرناها فيما تقدّم ، امّا جزمىّ وأمّا شرطي .
ومنها أن نتصفّح أنواع ذلك الامر . فان وجد الحكم في جميع ما تحته ، صحّ الحكم على جميع ذلك الامر . وان لم يوجد ولا في شئ منها ، صحّ انّه غير موجود في شئ من ذلك الامر . وان كان انما يتبيّن في بعض أنواعه بأن الحكم
المنطقيات للفارابي — صفحة 177
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص١٧٧