أبدا ، إلى أن ينتهى إلى قياس يؤلّف عن مقدمات تعلم من أول أمرها بأحد تلك الوجوه الأربعة .
فإذا أردنا أن نبيّن شيأ بقياس كان سبيل مقدماته أن تعلم أيضا بقياس ، وكانت مقدمات ذلك القياس يحتاج إلى أن يبيّن بقياسات ، إلى أن ينتهى في آخر ذلك إلى قياسات مقدماتها معلومة من أول الأمر ؛ فان السبيل في ذلك أن يبتدى من المقاييس التي مقدماتها معلومة من أول الأمر ، وتؤخذ نتائجها ، وتضاف مقدمات اخر ، أو يضاف بعضها إلى بعض ، ثمّ توخذ نتائج هذه ، وتضاف إلى مقدمات اخر ، أو يضاف بعضها إلى بعض إلى أن ينتهى إلى مقدمتين ، إذا ألّفناهما ، حصل لنا القياس الكائن عنهما النتيجة المقصودة من أول الأمر .
غير أنّا إذا صرّحنا بأجزاء هذا القياس واجزاء القياسات كلّها على الكمال ، طال القول ، فلذلك نقتصر في أكثر ذلك من تلك المقدمات على بعضها ، ونحذف منها ما قد انطوى فيما قد صرّح به ، أو كان ظاهرا بيّن الظهور ، أو كان القول نفسه يقتضيه . مثل ان يقال : فلان حنث ، فيعلم أنّه حلف . ومثل أن يقال إن المال قد وزن ، فيعلم أنّه بميزان . فحينئذ يصير القياس مركّبا من قياسات كثيرة ، حذف بعضها أو بعض أجزائها ، واقتصر على بعضها .
مثال ما قد صرّح بأجزائه كلّها ، انّا أردنا مثلا أن نبيّن أن العالم محدث بتوسّط هذه القياسات ، وهي كلّ جسم مؤلّف ، وكلّ مؤلّف فمقارن لعرض لا ينفك منه فاذن كلّ جسم فمقارن لعرض لا ينفك منه . ثمّ نأخذ هذه النتيجة ؛ ونضيف إليها كلّ مقارن لعرض لا ينفك منه ، فهو مقارن لمحدث لا ينفك منه . فيلزم عنه أن كلّ جسم فهو مقارن لمحدث لا ينفكّ منه . ونأخذ هذه النتيجة ، ونضيف إليها كل مقارن لمحدث لا ينفكّ منه فهو غير سابق للمحدث ، فيلزم من ذلك أن كلّ جسم فهو غير سابق للمحدث . ونأخذ نتيجة هذا القياس الثالث ونضيف إليها كلّ ما هو غير سابق للمحدث ، فوجوده مع وجود المحدث ، فيلزم أن كلّ جسم فوجوده مع وجود المحدث . ونأخذ هذه النتيجة ، ونضيف إليها كلّ ما وجوده مع وجود المحدث
المنطقيات للفارابي — صفحة 171
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص١٧١