بل العكس أو القلب أن يصير الموضوع محمولا والمحمول موضوعا . فان قولنا :
« زيد قائم » و « قائم زيد » ليس بقلب ، ولا عكس . بل القلب والعكس أن يقال :
« زيد قائم » ، و « القائم زيد » .
والأسماء غير المحصّلة ليست تدلّ على السلب ، بل انما تدلّ على أصناف العدم ، كقولنا : « زيد لا عالم » ، فإنه يدلّ على ما يدلّ عليه قولنا : « زيد جاهل » . وهذا بيّن في الألسنة التي تستعمل فيها الأسماء غير المحصّلة . فأي عدم كان له اسم محصّل ، فقرن باسم ملكته حرف « لا » ، فجعل منه اسما غير محصّل ؛ صارت قوّته قوّة اسم ذلك العدم في الدلالة . كقولنا : « لا بصير » ، فإنه كقولنا : « أعمى » . وأي عدم لم يكن له اسم ، جعل اسمه الاسم غير المحصّل المعمول من اسم ملكته .
والقضيّة التي محمولها اسم غير محصّل قضيّة موجبة ، وليست بسالبة .
والفرق بينها وبين السلب ، أن السلب هو أعمّ صدقا من غير المحصّل .
لأن السلب يشتمل على رفع الشئ عمّا شأنه أن يوجد فيه ، وعمّا ليس شانه أن يوجد فيه . والاسم غير المحصل [ ب 54 ر ] هو رفع الشئ عمّا شأنه أن يوجد فيه ، فان قولنا : « ليس بعالم » هو سلب ، ويصدق على الحائط ، وعلى الانسان الجاهل وعلى الطفل . وقولنا : « لا عالم » مثل قولنا : « جاهل » ، فإنه ليس يقال في الحائط انه جاهل ، فليس يقال فيه انه لا عالم .
وإذا كان أيضا لا يصدق « الجاهل » على الانسان في كل أوقاته ، وذلك حين ما يكون طفلا ؛ لم يصدق عليه أيضا في ذلك الوقت أنه « لا عالم » .
وقد جرت العادة في الألسنة التي تستعمل فيها ، في القضايا التي محمولاتها أسماء الكلم الوجودية مصرّحا بها أن يوضع حرف السلب في الشخصيّة والمهملة مع الكلم الوجوديّة ، كقولنا : « زيد ليس يوجد عالما » ، و « الانسان ليس يوجد عالما » .
وإذا كانت السالبة ذات سور ، وضع حرف السلب مع السور ، لا مع الكلمة الوجودية ، كقولنا : « ليس كلّ الانسان يوجد أبيض » .
المنطقيات للفارابي — صفحة 98
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٩٨