أما الحكيم العالم فعلى ضدّ ذلك يمكنه أيضا بانفراده بنفسه أن ينكب على الدرس والتأمّل ، وكلما كان أحكم كان انكبابه على الدرس والتأمّل أشدّ . لا أريد أن أقول إنه لا يحسن به أن يكون له زملاء في شغله ، غير أن هذا لا يمنع الحكيم من أن يكون أكثر الناس استقلالا وأشدّهم اكتفاء بنفسه . « 5 » - ربما يقال زيادة على ذلك إن حياة التفكر هذه هي وحدها المحبوبة لذاتها . لأنه لا ينتج من هذه الحياة إلا العلم والتأمل في حين أنه في سائر الأشياء التي فيها يجب الفعل يطلب المرء دائما نتيجة غريبة عن الفعل كثيرا أو قليلا . « 6 » - يمكن أن يقال أيضا إن السعادة تنحصر في الراحة والطمأنينة . المرء لا يشتغل إلا للوصول إلى الفراغ ، فإنما تقام الحرب للوصول إلى السلام . وجميع الفضائل العملية تفعل وتزاول سواء في السياسة أم في الحرب . ولكن الأفعال التي تقتضيها يظهر أنها لا تترك للانسان لحظة فراغ وعلى الخصوص أفعال الحرب حيث تنتفى الراحة على الاطلاق . من أجل ذلك لا أحد يريد الحرب البتة أولا يجهز الحرب للحرب وحدها . بل يلزم أن يكون المرء سفاكا ليتخذ من أصدقائه أعداء له وليثير ، على هوى منه ، ثائرة القتال والمذابح . أما حياة الرجل السياسي فإنها أيضا قليلة الراحة كحياة رجل الحرب . فإنه زيادة على تصريف أمور المملكة يلزمه أن يشتغل بلا انقطاع في الحصول على السلطان وعلى التشاريف أو على القليل تحقيق سعادته الخاصة وسعادة مواطنيه الشخصية . لأن هذه السعادة مختلفة جدا عن السعادة
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 355
مساهمون: أرسطو
ص٣٥٥
هامش
( 5 ) - يطلب المرء دائما نتيجة - راجع ك 1 ب 1 ف 5
( 6 ) - لا يشتغل الا للوصول إلى الفراغ - راجع في الباب السابق معاني تضاد هذه ف 4 - هذه السعادة - يعنى سعادة الفرد التي تنحصر على الخصوص في رياضة التفكر . - وسنعنى بتمييزها - ربما يظهر أرسطو على الضدّ من ذلك خلط إحداهما بالأخرى بجعله السياسة العلم المنظم لعلم الأخلاق . راجع فيما سبق ك 1 ب 1 ف 9