تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
الشعوب التي جوّدت اليونان وروما والمسيحية تمدينها لن يكفروا بايمانهم الأخلاقي مهما كانت الاضطرابات التي لا يزالون يعانونها في أخلاقهم وقوانينهم ، بل يبقون حريصين على تقاليد آبائهم الأولين حرصهم على أنفسهم . إن ماضيهم كفيل بمستقبلهم . ليس معنى ذلك أن علم الأخلاق سيجد أنصارا كثيرين ، وأنه لن يرى الوقت بعد الوقت مبادئه محلا للجدال والتعمية ، كما فعل بها السفسطائيون في عهد سقراط ، الذين هم دعاة العقول الفاسدة في زمنهم . كلا ، ولكن هذا يثبت جليا على قدر الكفاية أن العلم لا خوف عليه ، وأنه كلما صادف خصوما ألداء ، وجد حماة تشتدّ قوّتهم كلما اشتدّ الطعن عليه . فإذا كان أفلاطون قاهرا السفسطة ، فان « كنت » لم يكن أقل من ذلك في قهر مادية القرن الثامن عشر ، ويخرج علم الأخلاق من هذه المحن أقوى وأمتن مما كان . وفي هذه الوقائع التي انتصر فيها يجذب من القلوب عددا أكثر من عدد أعدائه الأكثر حدّة والأتم عماية . فان النفوس يشتدّ تعلقها به أكثر كلما اشتدّت مهاجمته ، وإن ما يلقاه من سباب الذين ينكرونه انما يضاعف إيمان الذين بقوا له مؤمنين . غير أن علم الأخلاق لا يجوز له أن ينخدع حتى في ظفره الأكبر ، فإنه لن يكون البتة إماما الا لآحاد من الناس . إنه بطرائقه القاسية ، وتحاليله الدقيقة الشاقة ، وملاحظاته الداخلية سيبقى - مهما كان جميلا - مقصورا تعاطيه على عدد قليل . وإني أكون سعيد إذا كانت هذه الدراسة الطويلة التي بدأتها تحت رعاية أرسطو تكافأ بتحقيق دعائه المتواضع « أن تجعل من قلوب طيبة الفطرة أصدقاء » « للفضيلة أوفياء بعهدها » . ( تمت المقدّمة )