وقد كان ينتظر أن يبدأ بفحص ما هي آراء العامىّ في مبدأ الأخلاقية مهما كانت مرتبتها من الوضوح . ولكنه لم يفعل ، بل بدأ يوضح هذه القاعدة : أنه لا يمكن في العالم أن يتصوّر شئ خير على الاطلاق إلا الإرادة الخيّرة ، ويعنى بالإرادة الخيّرة تلك التي لا تستمدّ خيرها من نتائجها أو من آثارها النافعة قليلا أو كثيرا ، بل من الإرادة نفسها فقال :
« متى حرم هذه الإرادة من جميع وسائلها لتنفيذ مقاصدها حظّ معاكس » « أو بخل الطبع السيئ ، ومتى أكدّت مجهوداتها فلم تصل إلى شئ ، ومتى لم يبق » « إلا الإرادة الخيّرة وحدها ، فإنها تزهو ببائها الخاص كحجر نفيس ، لأنها تستمدّ » « من ذاتها كل قيمتها » .
ومع ذلك فان « كنت » مع كونه يرى هذا المعنى للقيمة المطلقة للإرادة البسيطة - بصرف النظر عن كل فائدة - مطابقا للرأي العام ، فإنه يجد فيه شيئا من الغرابة بحيث يشعر بالميل لتبريره حتى أتى على إيضاحه إيضاحا من دقة الفكر ومطابقة الواقع بمكان عظيم .
إذا كانت الطبيعة حينما خلقت كائنا عاملا ، لم يكن لها من غرض إلا سعادة هذا الكائن ، فإنها تكون قد أخطأت الوسيلة بتركها هذه العناية إلى العقل . وفي الواقع أن جميع الأعمال التي يجب على المخلوق أن يأتيها لتحصيل هذا الغرض إنما تهديه إليها الغريزة على طريقة أحكم ، وبذلك يحصل هذا الغرض على وجه مأمون . وتكون الطبيعة قد منعت من صلاحية العقل لاستعمال عملي - ولم تكن لتخدع نفسها بالتصدّر ، مع قلة بصرها بالأمور - لاكتشاف كل جهاز السعادة والوسائل المؤدية لها . وما كانت لتقصر أمرها فقط على أن تسلبنا اختيار الأغراض ، بل اختيار
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 105
مساهمون: أرسطو
ص١٠٥