أن يرثى لحال القرون أو العقول التي تحتاج إليها ، لأن اعتناقها يستدعى أن تكون الاعتقادات الصحيحة للناس قد أظلمت عليهم ، وأن يغلوا في أمر الانسان غلوّا بيّنا ، لأنهم في ضلالتهم قد أنكروا اللّه أو قصروا في تنزيهه . إني أفهم ، بل أشاطر إلى حدّ معين ذلك الاحترام والإعجاب بالرواقية ، ولكني أقدر بل أعجب أكثر من ذلك أيضا بالحكمة الأفلاطونية التي تضع كل شئ في موضعه ، فلا تخرج الانسان عن مركزه ، والتي لبعدها عن كل إفراط قد وجدت طريق الحق ، والتي هي ألف مرة أقبل للعمل ، وأحب إلى النفس ، وأثبت قدما على الزمان . بعد الرواقية وبدون أن أقف على « سيسيرون » ولا على « سنيك » أقتحم عشرين قرنا وأمضى إلى « كنت » أكبر أخلاقىّ في الأزمان الأخيرة . إننا نجد من نظرياته خليطا وارثا من المذاهب الثلاثة التي استعرضناها . وكما صنعنا بمذهب أرسطو ، كذلك نصنع بمذهب « كنت » . نتعقبه خطوة خطوة دون أن نغير شيئا من الترتيب المنطقي الذي رتب به أفكاره . لكننا نستعير فقط على أقل قدر ممكن لغته التي ظن واجبا عليه أن يعتذر عنها أكثر من مرة ، والتي كان شذوذها في الواقع أمرا لا محيص عنه . ونشتغل على الأخص باثنين من مؤلفاته أحدهما : « الأسس الميتافيزيقية للأخلاق » . والآخر « انتقاد العقل العملي » لأنهما مرتبطان بعضهما ببعض ومكوّنان كلا واحدا . ولقد نبهت فيما سبق إلى عيب طريقة « كنت » « 1 » إذ يزعم أنه قد وجد المبدأ الاسمي لأخلاقية الانسان بدون احتياج إلى شئ من علم النفس ( البسيكولوچيا ) مقتصرا على الاستعانة بالعقل وحده . فان علم النفس عنده يشبه أن يكون مشوبا بالتجريب ،
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 103
مساهمون: أرسطو
ص١٠٣
هامش
( 1 ) راجع ما سبق ص 9