تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
وربما ظن أن استعانته بأحكامه تدنس طهارة علم الأخلاق الذي لا يمكن أن يؤسس إلا على مبادئ أوّلية ، على أنه ينبغي القول بأن « كنت » يخلّط بين العقل المحض وبين الضمير . وإلا حقّ لنا أن نسائله من أين يأخذ هذه المبادئ التي يريد أن يلزمنا بها ، والتي لا ينبغي أن يكون لها قيمة إلا بمقدار ما تستند إلى مشاهدات مضبوطة وأحداث لا شئ فيها من التحكم . فإذا لم يكن كل منا يحملها في شخصه فهي بالنسبة لنا كأن لم تكن . وبذلك يعرّض الفيلسوف نفسه إلى خطر أنه لا يشتغل إلا في الفارغ ، ولنفسه هو لا للناس . فإنه ينبغي الالتفات إلى أن وضع مبادئ علم الأخلاق في مقامات نظرية سامية كهذه يصيّرها غير عملية . إن « كنت » لا يريد أن يستمدّها من التجربة ، وحسنا يصنع . ولكنها إذا كانت مع ذلك بعيدة عن التجربة بحيث لا تبقى بينها وبينها أية رابطة ، فإنها تبقى عقيمة في الظلمات حيث لا يستطيع أن يخرجها منها الذي اخترعها هو نفسه . وإن أسهل من ذلك وأدخل في باب الحق أن يقال مع أفلاطون ومع فلسفتنا الحالية : إنه ينبغي درس مبادئ الأخلاق في النفس وفي الضمير ، حيث تظهر بوضوح تام ، وعلى نور يستطيع الانسان أن يهتدى دائما للرجوع اليه متى أراد أن يتعرّف نفسه ويتبع قاعدة « أپلّون » . عقل محض أو ضمير ، إن هذا هنا إلا منازعة ألفاظ إذا كان الجهاز المنطقي الهائل الذي ظن « كنت » أنه محتاج اليه لانشاء نظرياته لم يستطع إثبات أن العقل ليس على الغالب عنده إلا مرقاة للتدليلات الدقيقة غير المسلمة . إن « الأسس ( الميتافيزيقية ) للأخلاق » تنقسم إلى ثلاثة أقسام . في أولاها حاول « كنت » أن يرقى من المعرفة العامة للأخلاق إلى المعرفة الفلسفية . وفي الثاني يمرّ « كنت » من الفلسفة العامية إلى ميتافيزيقا الأخلاق . وفي الثالث يصل من ميتافيزيقا الأخلاق إلى انتقاد العقل المحض .