تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
مصيبة الرواقية انما هي في أنها لم تضع الانسان البتة في موضعه الحقيقي . إنها لم تتمشّ إلى حدّ هذه السخافات الدنسة التي خلعت الخالق لتضع مكانه « الانسانية » كما هو الحال في أيامنا هذه . كلا ، بل إنها تظهر باعتبارات شتى تقية تقوى خالصة ، وإنه لا نفس أشدّ تديّنا ولا أرقّ قلبا من نفس « إيپيكتيت » أو « مارك أوريل » ولكن انسان الرواقية في الحقيقة هو أكبر من اللّه الذي يتوجه اليه ويدعوه أحيانا بلغة « كلينت » الجميلة . إنه يستغنى عنه في حين أنه يدعوه . ونظرا إلى أنه لن يلقاه في عالم آخر ، يكاد ينساه تماما في هذه الدنيا . ومن هذا نشأت تلك الكبرياء البعيدة كل البعد عن الخشوع السقراطى وعن الحق . لا يطلب الحكيم نقطة ارتكاز إلا في نفسه بعد أن لم يعرف أن يجدها في قوّة اللّه القدير . وان التكذيب المستمر الذي يصيبه من تجرّئه لا ينتشله من وهدة الخطأ الأسيف التي هو واقع فيها . ان هذا المثل الأعلى - الذي بالغ حكيمهم في الحط منه بأن وضعه في نفسه - ليعاقبه عقابا قاسيا على تعسّفه ، بأن يبقى في مستواه لا أعلى منه . ولقد يجهد الحكيم باطلا أن يغضّ النظر عن خطيئاته الخاصة ولكنه يحسها . ومن أجل أنه يخجل منها وهو يقارفها لا حيلة له إلا أن يعلن عدم أهميتها ، ما دام أنه لا يستطيع أن يمنعها ، ولا أن يتقيها كلها . فهو من ذلك على منزلق تنزلق عليه قدمه حتى تصل به إلى أعماق الهاويات السحيقة ، ولا تنفعه دقة منطقه في شئ سوى البوار أكثر فأكثر . سيقول في نفسه : إنه يستطيع أن يكسو نفسه جميع الرذائل ، ويقارف جميع الجرائم ، دون أن يشوب ذلك طهارته بأدنى شائبة . قاعدة سوء لم تصل إلى مبلغها أمجن حيل الفتاوى وأخربها ذمة في تحليل المحرمات ، ولكنها مفهومة معتقدة في مذهب الرواقيين . إن المثل الأعلى لا يمكن أن يهلك ، ولا يمكن أن يعتم ضياؤه . وما دام أن لا وجود له