تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
أن يلقى اليه مقاليد سيره لم يبق له من نور الهداية شعاع . هذا العقل الذي كان يقود أفلاطون قيادة عاصم من الضلال قد أضل الرواقيين ، فلم يخرج من سقطة إلا ليقع بهم في سقطة أخرى . أما أغراض الفريقين فهي واحدة . ولكن تغيرت الأزمان . إذ تضاءلت أشعة النور الذي كان يهدى مذهب سقراط حتى صارت إما شكوكا وإما نحوسا . يريد الرواقيون أن يعيشوا على حسب الطبع ثم هم ينكرونه إذا لم يلعنوه . ذلك بأنهم لم يظهروا على مشاهدة الطبع . فلم يركنوا إلى المبدأ العظيم مبدأ هاتف « دلفوس » . لم يدرسوا ما هو الانسان على رغم الأمثلة الحديثة المشهورة لديهم ، فبقى الانسان عندهم لغزا من الألغاز يبحثون عن اسمه فلا يصلون اليه . وانتحلوا لأنفسهم بسيكولوجية خيالية . وحصروا الادراك كله تقريبا في معنى الاحساس ، وترتب على هذا الخطأ الأوّل طائفة من الضلالات قد امتدّ أثرها من الانسان إلى أن لحق نظرهم في العالم ثم في اللّه . إنهم لشدّ ما يعترفون بالحرية ، بل هم يفرطون في الإشادة بذكرها ، ومع ذلك يسلمون أيضا بالقضاء والقدر . في مذهبهم الذي لا يخشى المتناقضات - لأنه لا يراها - يقررون أن الانسان حرّ ، ثم هم على ذلك يخضعونه إلى قوّة عمياء يسمونها عبثا باسم العناية الإلهية . ان هذه العناية الإلهية في مذهب الرواقيين لا تحبّ أبدا العالم الذي تسيّره ، والذي رتبته ، والذي ربما لم تكن تخلقه . فهي تترك الانسان بلا رجاء ، يدافع عن نفسه في هذه الحياة الدنيا بشجاعة - ما أجدر بها أن تستعمل في خير من هذا - ضدّ الشرور المتنوّعة التي تنتابه ، والتي لا ينبغي أن يكون لها أدنى جزاء . فالحكيم يأخذ على عاتقه أمر نفسه في هذا الترك الذي تدعه فيه العناية الإلهية ، لا ملجأ له إلا نفسه وحدها ، لا في أمر سعادته التي لا يهتم بها ، بل في أمر فضيلته التي فيها مركز كل مجده وعظمته .