بحيث لا يستوجب من جانبنا من قسوة الحكم ما تستوجبه تلك المذاهب المخجلة ، مذاهب الأبيقوريين الذين يصنفون الرذيلة تصنيفا ويصيرونها أخاذة للألباب .
لا ينبغي نسيان أن الرواقية قد نشأت في عصر الاضمحلال ، وإذ قد انعدم الاحساس بالجمال الحقيقي في جميع الأشياء . فقد أخذ الناس يكلفون أنفسهم القسر في كل شئ حين أعوزهم العقل الهادي الذي يقيس الأشياء ويربط نسبها بعضها ببعض . وألقوا بأنفسهم في مهاوى الغلو ، لأنهم لم يعرفوا بعد أن يكونوا حتى في الخير على ما يقتضيه الطبع وسلامة الذوق . وإذ كان من الناس من ينغمسون في اللذات التي لم تعد بعد شافية من البدن غلة ولا بالغة من العقل مقنعا ، قامت الرواقية بمذهب شاذ يصيّر الفضيلة أمرا لا ينال ، بل محلا للسخرية أحيانا . مذهب تعطل بين يديها من جميع المحاسن التي عرف أفلاطون أن يكسوه إياها ويزينه بها ، دون أن يسلبه شيئا من قوّته ولا من نزاهته . مذهب قصر عن أن يكون انسانيا ، وإن مثله الأعلى المستحيل المنال الذي ألقوه في غيابته قد تجرّد عن أن يكون على شئ مما يرغب فيه أبدا .
فالحكيم عندهم على ما به من عدم الاهتمام وعدم الحسّاسية لم يبق انسانا إلا على وجه ما . فإنه ليس وطنيا بعد ، وإنه فيما هو فيه من الاستقلال المصطنع باعتبار أن لا حاجة به لأي انسان يفرّ من الجمعية ويحتقرها ، بحجة أنه لا يستطيع أن يصلحها على نموذجه الذي لا يتأثر بشيء . يفرّ من الجمعية على هذا النحو حتى يفارق الحياة التي يتصرف فيها كأنه هو الذي وهبها لنفسه . فالرواقية ليست إلا ضربا من القنوط .
فما هي إلا أن الانسان الذي على ما به من الادراك القوى لما قدر له من المقادير السامية يسيء فهمها ويعصيها من غير أن يستطيع تغييرها . وإن ما به من الحزن الذي لا ينصرف ليدل واضح الدلالة على الظلمات التي يتخبط فيها . والعقل الذي يريد
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 99
مساهمون: أرسطو
ص٩٩